الترويض الروحي والترويج لسلعة التسامح

تظهر قيمة التسامح عندما يشتد الهرج والمرج بسوق النزاع، ولذلك خصص فيلسوف المدرسة النقدية بفرانكفورت راينر فورست كتاباً كاملاً للتدليل على الارتباط المفصلي بين مفهومي التسامح والنزاع، وسماه بـ(التسامح في النزاع)، ويرى فيه أن «التسامح الذي يستوجبه النزاع لايحل هذا النزاع، بل يعمل فقط على تسييجه والتخفيف من حدته. أما تناقض القناعات والمصالح والممارسات فيظل قائماً، لكنه يفقد، نزولاً عند اعتبارات معينة، طاقته التدميرية. ويعني عنوان الكتاب بأن الفرقاء في نزاع ما ينتهون إلى اتخاذ موقف متسامح من بعضهم بعضاً، لأنهم يرون، بأن أسباب الرفض المتبادل تقف حيالها أسباب أخرى للقبول المتبادل، وحتى وإنْ كانت أسباب القبول المتبادل لاتسمح بتجاوز أسباب الرفض، إلا أنها تتحدث لصالح التسامح، بل وتطالب به. إن وعد التسامح يقول بإمكانية التعايش في ظلال اختلاف»1.
عندما نتجول بسوق القيم في عصرنا الراهن نجد نقصاً في قيمة وأثمنة كل ما يشعل فتيل النزاع من طائفية وتقسيم وتشرذم مما يحيلنا بصفة تلقائية، لمن يخبر قانون العرض والطلب، على ارتفاع قيمة التسامح في عصرنا الراهن، لكن ويا للأسف تغلفت هاته الجوهرة بغبار الغفلة حتى أضحى الجري وراء المصالح دون تقيُّد بالقيم وعين التعقل، وأصبح التهافت وراء كنوز الأرض دون ضوابط ذات الحصافة والحكمة.
لا غرو ان العودة الى الترويض الروحي لنزعاتنا ورغباتنا التي لاتكاد تنقطع بات ضرورة لا مناص منها، وهذا من صميم طبيعتنا الإنسانية لنتشبث بالحياة ونسعى لإثرائها بمختلف أنواع الإبداعات الخلاَّقة انطلاقاً من استثمار موارد الأرض والسماء، لكن في نفس الآن دون مروق من الفطرة أو هروب من الضمير أو جهالة ونسيان للأسماء التي علمها الإله لآدم، حيث يذكِّرنا القرآن الحكيم بأن الله علَّم آدم الأسماء كلها، والتي لايخرج معناها في نظرنا عن القيم الروحية التي بثها الحق في ضمير كل إنسان مؤمناً كان أو غير مؤمن، ولذلك يتحدث كل إنسان من أية حضارة عن قِدم مفهوم تأنيب الضمير، لذلك فكل إنسان له غرس في أرضه عليه الاعتناء به وتنميته حتى يخْضَرَّ ويشتد ويستوي على سوقه كي يُعجِب الزُّرَّاع2، وهو ما عبرنا عنه في عنونة المقال بالترويض الروحي.
إن مثل الجري وراء المصالح كمثل ركوب فرس جموح تجري دون ترويض؛ لذلك لايمكن التنبؤ بعواقب سعيها، من هنا تتبدى ضرورة ترويض جري الأفراد والمؤسسات والدول وراء مصالحها في احترام للمواثيق الدولية والقيم العليا التي تشترك حولها الأديان.
ولاشك أن التسامح سلعة غالية إذا ما وُضِعت في محلها، رخيصة إنْ تغلَّفت بغبار الغفلة. ولا مندوحة من أن القيم الأخلاقية العليا «الأسماء كلها» غرسها الله تعالى في الذاكرة الأصلية للإنسان3، حتى تكون صوتاً للحق يتعالى صداه بداخله كلما غفل عن طريق الصواب.
الهوامش
1- راينر فورست، فيلسوف التسامح، موقع مركز السلام للثقافة الديبلوماسية.
2- جاء في وصف المؤمنين من المسلمين في القرآن بأنهم «كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يُعجِب الزُّرَّاع» انظر أواخر سورة الفتح من القرآن الكريم.
3- يسمي د. طه عبدالرحمن في كتابه روح الدين الفطرة بـ»الذاكرة الأصلية للإنسان».

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com