التعليم الافتراضي في واقعنا العربي.. المفهوم والحاجة

شهد العالم في السنوات الأخيرة جملة من التحديات ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية، وشكلت تلك التحديات بأبعادها المختلفة منطلقاً لدعوات عديدة بضرورة إصلاح النظام التربوي بجميع مدخلاته وعملياته ومخرجاته، وخصوصاً في ضوء عجز النظام الحالي عن مواجهة التحديات التي أفرزها تحوُّل العالم من مجتمع صناعي إلى مجتمع معلوماتي. لهذا، تتسابق كثير من الأمم لإصلاح نظمها التربوية بهدف إعداد مواطنيها لعالم جديد.
ولمواجهة هذه التحديات والتحولات لابد من التحرر من تقليدية التربية والتعليم في مناهجنا ومناشطنا التربوية، والذي أصبح اليوم أمراً ضرورياً، فلم يعد الهدف مقتصراً على إكساب الطالب المعارف والحقائق فقط، بل تعداه إلى تنمية مهاراته وقدراته وبناء شخصيته ليكون قادراً على التفاعل مع متغيرات العصر وقادراً على صناعة حياة جديدة قائمة على السيادة لا التبعية، وفق تعليم دينه ومجتمعه.
إن ما يشهده العصر الحاضر من تغيرات سريعة في شتى المجالات التقنية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية تؤثر على وتمس صميم الهياكل التربوية للفرد والمؤسسات التعليمية ومنظومة البناء الفكري والثقافي للمجتمع.
ويتطلب التعامل مع هذه المتغيرات قدرة عالية على التكيُّف والمبادرة وفق ثوابت المجتمع ومنطلقاته الثقافية والدينية. ويقع على عاتق المؤسسات التربوية العبء الأكبر في تقديم هذه المبادرات وفق الصيغ المقبولة اجتماعياً وثقافياً. ولاشك أن الثورة في تقنية المعلومات ووسائل الاتصال قد حوَّلت عالم اليوم إلى قرية إلكترونية تتلاشى فيها الحواجز الزمنية والمكانية، إذ قربت المسافات وأزالت الحواجز السياسية والثقافية.
وهذا التغير يفرض على المؤسسات التربوية أنْ تقدم حلولاً للاستفادة منها وتوظيفها في النسيج التربوي؛ بما يتماشى مع أهدافها ومسلَّماتها. كما يفرض عليها أن تقدم المبادرة للاستفادة من التقنية في رفع مخرجات العملية التعليمية. فدمْج التقنية في عملية التعليم والتعَلُّم لم يعد ترفاً بل أصبح مطلباً حيوياً لتطوير البِنَى والهياكل التربوية لِما تقدمة التقنية من نقلة نوعية في إعادة صياغة المنهج بمفهومه الشامل، والرَّفع من مستوى المخرَج التربوي وذلك بجهد أقل ونوعية أفضل.
والتعليم الافتراضي بشكل عام هو استخدام الوسائط الافتراضية والحاسوبية في عملية نقل وإيصال المعلومات للمتعلم، وهناك مدى لهذا الاستخدام، فقد يكون في الصورة البسيطة كاستخدام وسائل إلكترونية مساعِدة في عملية عرض المعلومات أو لإلقاء الدروس في الفصول التقليدية، وكذلك الاستثمار الأمثل للوسائط الافتراضية والحاسوبية في بناء الفصول الافتراضية من خلال تقنيات الإنترنت والتلفزيون التفاعلي.
ويمكن تعريف التعليم الافتراضي بصوره مثالية على أنه: توسيع مفهوم عملية التعليم والتعَلُّم لتتجاوز حدود جدران الفصول التقليدية والانطلاق لبيئة غنية متعددة المصادر، يكون لتقنيات التعليم التفاعلي عن بُعد دور أساسي فيها، بحيث تعاد صياغة دور كل من المعلم والمتعلم، ويكون ذلك جلياً من خلال استخدام تقنية الحاسب الآلي في دعم واختيار وإدارة عملية التعليم والتعَلُّم، وفي الوقت نفسه فإن التعليم الافتراضي ليس بديلاً عن المعلم، وإنما هو معزز لدورة كمشرف وموجِّه ومنظِّم لإدارة العملية التعليمية ومتوافقاً مع تطورات العصر الحديث.
ولكي يكون التعليم الافتراضي فاعلاً فإن ذلك يتطلب زيادة وتقوية المهارات الموجودة أصلاً بشكل أكبر من تطوير قدرات جديدة، حيث إن ترسيخ ما هو قائم يكون أساساً لترسيخ ما هو قادم.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com