التعليم العالي: الولوج في النفق المظلم «1-2»

الخوض في أَثَر الجامعات والتعليم الجامعي في تنمية المجتمعات وأهمية ذلك في تطوير التقنيات وتقدم الدول علميا، ليس مكانه في مقدمة هذا المقال، ولكن يمكنني القول إن جامعتنا الوطنية.. جامعة البحرين تسير في السنوات المنصرمة نحو مصير مظلم بتسارع شديد! ما لم تتداركها يد القيادة. ولا أقول هذا الكلام جزافاً، فقد كان لي الشرف إلى أشهر مضت أن أكون عضواً بهيئة التدريس فيها وقد درَّست فيها مدرساً، ومحاضراً، وأستاذاً مساعداً، وأستاذاً مشاركاً، ثم أستاذاً، أي برفسور، وهي الرتب الأكاديمية المتعارف عليها عالمياً في الجامعات. كما أنني مررت بجميع رؤسائها، ولعلي لم أحظ بأن أكون تحت إدارة رئيسها الحالي ا.د. رياض حمزة إلا لمدة وجيزة. ومن هنا جاء المقال لعلي أُسمع من يمكنه إصلاح ما أفسده الدهر. والتفاصيل المقبلة توضح بعض ما يدعوني إلى قول ما سبق، وقد تبدو غريبة على مَن درايته بالمعايير العالمية محدودة.
يفوق عدد طلبة الجامعة ٢٨ ألف طالب وفق ما ورد في تقرير نائب رئيس الجامعة على صفحة الجامعة في الإنترنت، بعد إضافة الطلبة المقبولين هذا العام في الجامعة، وحذف خريجيها الجدد. ورغم كون هذا العدد كبيراً على بلد صغير نسبياً مثل البحرين، فإنه يمثل إرثاً مهماً لمستقبل البلد.
ورغم كون غالبية برامج الجامعة لدرجة البكالوريوس هي 4 سنوات، لم يتخرج من طلبة دفعة 2008 من الجامعة في مثل تلك المدة سوى نحو 8%، وفق ما جاء في دراسة قامت بها الجامعة في عام 2012. وقد لوحظ أن ذلك المعدل في انخفاض. ومع فارق التشبيه في المستوى، فإن مثل تلك النسب في الجامعات الخاصة في البحرين على ما يعتريها من ضعف أعلى من ذلك بكثير. كما أوضحت الدراسة أن تلك المعدلات منخفضة جداً بالمقارنة مع المعايير العالمية والوطنية.
فعلى سبيل المثال متوسط تخَرُّج الطلبة في أربع سنوات لمتوسط الجامعات في ولاية فرجينيا الأميركية 49%. كما أن معدلات تخَرُّج طلبة 8 جامعات في فرجينيا في أربع سنوات بلغ 89%. علاوة على ذلك يقضي أكثر من ثلث طلبة الجامعة أكثر من ست سنوات لإتمام متطلبات تخَرُّجهم. وقد أوضحت الرسومات البيانية التي رافقت الدراسة التي جئنا على ذكرها سابقاً، بوضوح بالغ، أنه كلما زاد عدد الطلبة المقبولين في الجامعة، كلما زاد معه تأخر معدل تخَرُّجهم وفق السنوات المعتمَدة في برامجهم. ولعل السبب جلي وراء ذلك؛ ذلك أن أعداد المدرسين وكفاءاتهم لاتتواكب مع تلك الزيادات.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الأسباب التفصيلية التي أدت إلى ذلك؟ أهي إدارية؟ أم هي عائدة إلى الطلبة أنفسهم؟ أم أن البرامج ثقيلة عليهم؟ أم أنها تتعلق بصعوبة توافر المواد الكافية لتسجيلها كل فصل؟ وغيرها من الأسئلة المنطقية. ولعل الجامعة بحثت فيها. وما يمكن تأكيده هنا، إن مثل تلك النسب تعد معيبة في المعايير العالمية، كما أنها تستنزف ميزانية الجامعة المحدودة بشدة، ولاسيما أن الطلبة لايدفعون سوى خُمس تكاليف دراستهم الجامعية لكل من لايحصل على بعثة، وتتحمل الحكومة مشكورة باقي التكلفة.
علاوة على ذلك يتساقط نحو 36% ممن يسجلون في الجامعة دون حصولهم على أية شهادة، أو يحوَّلون إلى جامعات أخرى. وتشير الدراسة إلى أن معدل السقوط من الجامعة لطلبة الدفعتين 2009 و2010 بلغ نحو 42 و32% على الترتيب. وغالب المتساقطين أو المفصولين يمضون أكثر من سنتين في الجامعة قبل انسحابهم.
وعلى مستوى الكليات فإن نحو 52% من طلبة الدفعة 2008 لم يتمكنوا من إتمام دراستهم في كلية الإدارة، و40% في كلية الهندسة، ونحو 54% في كلية تقنية المعلومات.
أما المواد التي يكثر فيها الرسوب فهي الرياضيات والفيزياء والكيمياء واللغة الإنجليزية والمحاسبة والقانون. ووفق تلك المعدلات فإن نحو 2500 طالب من نحو 7000 طالب قُبِلوا في الجامعة العام المنصرم – وفق ما صرحت إدارة الجامعة بعددهم للصحف – لن يمكنهم إتمام دراستهم في الجامعة، وأن نحو 550 طالباً فقط يُتوقع منهم إنهاء دراستهم في أربع سنوات. علاوة على ذلك فقد بلغ عدد خريجي الجامعة في عام 2012 نحو 2382 – وفق ما جاء في صفحة الجامعة على شبكة الإنترنت – في حين كان عدد المقبولين فيها نحو 4574، بل إن خريجي ٢٠١٤/٢٠١٥ لم يتجاوز ١٨٠٨ طلاب، في حين تجاوز عدد المقبولين فيها ستة آلاف طالب! أي إن خريجي الجامعة كل عام يعادل عددهم أقل من ثلث المقبولين فيها.
ومع كون الخريجين المذكورين من دفعات كان عددهم أقل عند قبولهم في الجامعة بالمقارنة مع عدد المقبولين حديثاً، فإن مثل هذا الرقم الضخم من المتساقطين يطرح أسئلة كثيرة على إدارة الجامعة لابد البحث فيها وفق دراسة علمية. وإذا كانت إدارة الجامعة قد درستها، فلابد من تعَرُّف الناس على أسبابها.
ولعل قائلاً يقول إن مثل ذلك بدهي في الجامعات ويشهد للجامعة لا ضدها من حيث قوة الدراسة فيها، حيث يتوجه كثير منهم نحو الجامعات الخاصة لسهولتها، أو لأسباب أخرى. وحيث إن الدولة تدعم الدراسة في جامعة البحرين بنحو 80% من تكاليف دراسة الطلبة بها، فإن شَغل الطلبة مقاعد في الجامعة لعدد من الفصول دونما فائدة، يعد خسارة كبيرة لميزانيتها. أما في الجامعات الأخرى فالطالب يدفع كامل تكاليف دراسته. وهذه ليست دعوة إلى رفْع تكاليف الدراسة في الجامعة على البحريني.
ورغم أن التساقط من الجامعة أمر طبيعي إلى حد ما، فإن سؤالاً واحداً يظل ملحا، ولابد من معرفة إجابته، وهو لِمَ لَمْ تتمكن الجامعة من احتواء جزء من هذا العدد الكبير من الطلبة، أو توجيههم نحو دراسات تقنية، لتؤهلهم كفنيين، كما كان الأمر قبل نحو 25 سنة في بعض الكليات؟ أم هو ضعف في المتابعة من المرشدين؟ أم هو ضعف في إدارة التسجيل؟ أم هو بسبب البيروقراطية المفرطة في الجامعة؟ أم هي طبيعة الدراسة الجامعية؟ أم أن الأكاديميين مثقلون بعدد كبير من المواد التي يدرِّسونها على حساب كفاءة التدريس؟ أم غير ذلك؟
أعداد الطلبة المقبولين في الجامعة في ازدياد مستمر، وبالتالي فهي في تضخم مضطرد. ففي حين لم يكن عدد الطلبة المقبولين في الجامعة يتجاوز 4574 طالباً في عام 2012، فقد بلغ عددهم العام المنصرم –وفق ما هو مذكور على صفحة الجامعة – ٦٣٩٦ طالباً. ولم يكن العدد الكلي للطلبة في الجامعة قبل نحو عقد من الزمن يتعدى أحد عشر ألف طالب، يزيدون قليلاً أو ينقصون. وقد فاق عددهم هذا العام 28500. ولا بأس بالتسهيلات التي تسمح لعدد كبير من الطلبة بدخول الجامعة، حيث إن الأمر الملكي يضمن لمن فاقت نسبته 70% دخول الجامعة. ولكن الإشكالية تكمن في كون ألاّ ترافق مثل هذا العدد أية زيادة في عدد الطواقم التعليمية، وفي المعامل، وفي الصفوف، وفي القاعات، وفي غيرها من البرامج والأدوات المساندة للعملية التعليمية. ومن ثمّ يعاني الطلبة بدنياً ونفسياً معاناة شديدة في أثناء تسجيل مقرراتهم، وفي صفوفهم ومعاملهم. ولم ترافق مثل تلك الزيادة المستمرة في عدد الطلبة أية زيادة في الميزانية المخصَّصة للجامعة، بل نقصت، فإنه يبدو أن إدارة الجامعة لم تتقدم بطلب أية زيادة من وزارة المالية، كما بلغني من أحد النواب.
وعودا على بدء، بينما لم يكن عدد طلبة الجامعة قبل نحو عقد من الزمان يتعدى أحد عشر ألفاً، كانت ميزانية الجامعة 43 مليون دينار، وهذا دون احتساب ميزانية كليتي المعلمين والعلوم الصحية، فقد خفِّضت ميزانيتها مع خفض ميزانيات غالب الوزارات رغم التطور الكبير في عدد طلبة الجامعة.
ولعل الإدارة أرادت أن تثبت لذوي الشأن أنها تستطيع بميزانيات ضئيلة -والتي بالكاد تغطي رواتب موظفيها، ومصاريفها التشغيلية – أن تدير الجامعة بطريقة ما! وأذكر أن أحد نواب الرئيس أخبرني يوماً أنه طلب من رئيس الجامعة حينها أن يناقش الأمر مع الديوان الملكي، وأنه واثق من أنهم سيولون الأمر اهتماماً، إلا أنه رَفض، ولعل ذلك بدعوى أن مجلس أمناء الجامعة لايسمح بذلك!
والحق أن تقدير الضرر الحاصل لايتم إلاّ على المدى البعيد، ولاسيما على مستوى التدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع التي هي الأهداف المرسومة لجامعة البحرين عند إنشائها رسمياً سنة 1986 كما جاء في المرسوم الأميري الصادر من قبل سمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البلاد السابق رحمه الله. بل ويخبرني أحد نواب البرلمان أنه طلب في إحدى الدورات البرلمانية من أحد الذين هم على رأس إدارة الجامعة أن يزوده باحتياجات الجامعة كيما يطلب زيادة في ميزانيتها عند عرض ميزانيات الدولة، فرد عليه ألاَّ داعي لذلك، وأننا نستطيع أن «نُمَشِّي» الأمور بالميزانية الحالية! مع علمه أنه يعاني من ضعف الميزانية.
ولعلي لا أحسد الإدارة على مثل ذلك، حيث إن قرارات الجامعة ليست مستقلة، ولا هي هيئة مستقلة. وبسبب ضعف الميزانية، وقلة عدد الأكاديميين يتم تكديس أعداد كبيرة من الطلبة في الصفوف، بل وفي الممرات أيضاً! فتجد صفوفاً فيها 40 طالباً و50 بل حتى أكثر من 80 طالباً. ولا أظن أن من له علم بالمعايير التربوية والتعليمية يمكنه القول إن مثل تلك الصفوف تساهم في تطوير العملية التعليمية. ولعل مثل تلك الأعداد تكون مقبولة لعدد محدود من المواد العامة غير التي لاتحتاج إلى مناقشات في قاعة الدرس.
والأمر لايقف عند العملية التعليمية فحسب، حيث يشتكي طلبة عدد من الكليات من صعوبة الحصول على مواقف لسياراتهم في أيام معينة من الأسبوع، رغم كثرة المواقف التي توفرها لهم الجامعة.
والحق أن مثل تلك الأرقام تعد غير مقبولة في معايير جودة التعليم العالي. فعدد الطلبة بالنسبة للأكاديميين في الجامعات العريقة لايكاد يتجاوز 12 طالباً. أي مدرس لكل اثني عشر طالباً في المتوسط. فعلى سبيل المثال لايفوق عدد الطلبة بالنسبة للهيئة الأكاديمية في كلية لندن الجامعية، وجامعة باكينغ هم، وأكسفورد، وجامعة الملك بلندن، وكلية إمبريال عن 11.5. أما جامعة البحرين فوفق تقرير لنائب رئيس الجامعة للبرامج والدراسات العليا على موقع صفحة الجامعة الإلكتروني تبيَّن أن النسبة هي ٢٧، وأن أعلى تلك النسب تتمثل في كلية إدارة الأعمال، حيث هناك أكاديمي واحد مقابل ٦٥ طالباً!
أما حين تحسبها لهذا العام وفق المعلومات المتوافرة على صفحات الجامعة فالنسبة للجامعة أعلى من ٥٠ بشكل جلي، حيث يشير تقرير نائب رئيس الجامعة وهو تقرير دسم ومهم ويشتمل على حقائق غاية في الأهمية، منشور على صفحتها الإلكترونية إلى وجود ٨٣٥ أكاديمياً في موسم ٢٠١٥/٢٠١٦ والآن دون ذلك! حيث تقاعد عدد كبير منهم خلال هذا العام والعام المنصرم، كما استقال عدد آخر منهم، فيما لم يجدَّد لطائفة أخرى منهم، ولم يتم إحلال آخرين مكانهم بنفس العدد، بحيث يقومون بتدريس نحو 38500 طالب في الواقت الراهن. علماً بأن الرئيس ونوابه وغالب مستشاريه لايقومون بتدريس أية مواد رغم أنهم يدخلون في عداد الأكاديميين. وبالمثل لايدرِّس العمداء ورؤساء الأقسام، وعددهم قد يبلغ نحو أربعين أو دونه بقليل، وكذلك مديرو المراكز العلمية سوى مادة واحدة، وكذا أصحاب الأعذار من المدرسين. كما يشمل المبتعَثين للدراسات العليا ومساعدي البحث والتدريس، ويفوق عددهم المائة.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com