الحذر.. الخطر على الأقصى تعاظم

تدلل كل المؤشرات على أن الانتصار العظيم الذي حققه الفلسطينيون بإرغامهم الكيان الصهيوني على إزالة البوابات الإلكترونية من مداخل المسجد الأقصى قد حفَّز النخب السياسية والجماعات الدينية اليهودية والمرجعيات الوازنة في الكيان الصهيوني للمطالبة بتهويد الحرم القدسي الشريف بشكل مطلق وسريع. فقد نظرت النخب السياسية والجماعات الدينية اليهودية إلى الانتصار الفلسطيني كإذعان وإهانة ما كان لها أن تكون، مما جعلها تنتقل سريعاً من لوم وتوبيخ الموسوم بـ(رئيس الحكومة) الصهيونية المدعو بنيامين نتنياهو بسبب خضوعه لإرادة الفلسطينيين إلى اتخاذ إجراءات تعكس حرصاً على الثأر لِـما يتوهمونه (الكرامة الوطنية) والانتقام من الفلسطينيين من خلال التدليل على أن مشروعهم نحو تهويد الأقصى لايتواصل فقط، بل إن وتيرته قد تعاظمت.
فلأول مرة بتنا نلاحظ أن مسؤولين سياسيين صهاينة يتعهدون بدون تردد بالعمل على إعادة بناء الهيكل الموهوم بأسرع وقت، كما فعل الموسوم بنائب (وزير) الحرب الحاخام المدعو إيلي بن دهان. ولا حاجة للتذكير بأن بناء الهيكل المزعوم يعني بالضرورة تدمير الحرم القدسي الشريف، على اعتبار أن المرجعيات الدينية اليهودية تتوهم أن الهيكل يقع أسفل مسجد قبة الصخرة المشرَّفة. وقد تنافس (الوزراء والنواب) والساسة الصهاينة على إصدار البيانات بمناسبة حلول (عيد) التاسع من أغسطس، حيث أكدوا كما يتوهموم (حق) اليهود في بناء الهيكل المزعوم.
ومما لاشك فيه أن توصية الشرطة الصهيونية بتقديم (رئيس الحكومة) نتنياهو للمحاكمة بتهم الفساد توفر بيئة مساعدة لتعاظم الإرهاب اليهودي ضد الأقصى. فهناك أساس للاعتقاد أن نتنياهو من خلال محاولة تشبثه بالحكم سيحاول استرضاء اليمين المتطرف من خلال اتخاذ قرارات خطيرة بشأن الأقصى بشكل خاص والقضية الفلسطينية بشكل عام. ونظراً لأنه قد وجهت له تهم الخضوع والإذعان للفلسطينيين في أعقاب قراره بإزالة البوابات فإنه قد يتخذ خطوات أخرى تمهد لتهويد الحرم على اعتبار أن مثل هذا السلوك قد يقلص من فُرَصِه في البقاء على الكرسي.
وفي المقابل، فإن إضعاف مكانة نتنياهو ستدفع (الوزراء والنواب) إلى اتخاذ إجراءات مستقلة لاسترضاء قواعد اليمين، من خلال المزاودة على نتنياهو عبر إسناد اليمين الديني المتطرف في مخططاته ضد الحرم القدسي الشريف.
وقد يحرص الساسة الصهاينة على الاندفاع نحو التقاسم الزماني والمكاني في الحرم كمقدمة لتهويد الحرم بشكل كامل.
وفي كل الأحوال، فقد استخلصت الجماعات اليهودية العبر وكثفت بالفعل من حملات التدنيس للحرم بشكل لافت، حيث إن عدد الصهاينة الذين دنسوا الحرم أثناء الاحتفالات بما يوسم (عيد) التاسع من أغسطس قد بلغ 1000 صهيوني، وهو عدد لم يسبق أن قام بتدنيس الحرم منذ الإعلان عن الكيان الصهيوني عام 1948. ولقد كانت (الحكومة الإسرائيلية) تراعي في الماضي مواقف الدول العربية التي ترتبط بها باتفاقيات تسوية أو تلك التي تربطها علاقات سرية قوية عندما تحاول تغيير الوضع القائم في الحرم، لكن الآن، وبسبب الضغوط الهائلة من قواعد اليمين المتطرف، فإن (الحكومة) الصهيونية ستوافق بشكل عام وبدون قيود على بعض مطالب الجماعات المتطرفة.
ولأن شعور المس بما يتوهمونه كرامة الذي يحرك قادة الجماعات اليهودية، فإنه يُتوقع على نطاق واسع أن تتعاظم مظاهر السلوك الهادفة إلى استفزاز المصلين، من خلال أداء الطقوس التلمودية بعكس التعهد الذي قدمه نتنياهو للملك عبدالله الثاني ملك الأردن، إلى جانب أن الكثير من اليهود باتوا يحرصون على إشهار عقود زفافهم داخل الحرم وأثناء تدنيسهم للأقصى.
لكن ما يتوجب الحذر منه أكثر هو ما يجري خلف الكواليس، حيث إن هناك العشرات من التنظيمات الإرهابية اليهودية التي تتحرك داخل القدس والضفة الغربية وداخل فلسطين 1948. فحتى تقديرات الأجهزة الاستخبارية الصهيونية فإن هناك أساساً للاعتقاد أن هذه التنظيمات يمكن أن تخطط لشن هجمات إرهابية كبيرة داخل الحرم أو في محيطه من أجل إعادة خلط الأوراق. فالتنظيمات الإرهابية اليهودية ترى أن المجزرة التي نفذها الإرهابي باروخ غولدشتاين في المسجد الإبراهيمي في الخليل عام 1994 لم تسفر فقط عن استشهاد 29 وجرح العشرات من الركع السجود من المصلين، بل إن (الحكومة) الصهيونية استندت إلى هذه الجريمة في القيام بإجراءات أمنية قلصت بموجبها التواجد الفلسطيني في المسجد وجميع أرجاء البلدة القديمة من الخليل.
وقصارى القول.. الخطر على الأقصى تعاظم وهذا ما يتطلب مضاعفة الحذر والحيطة وتقديم الإسناد للمرابطين داخله، وفي تخومه لإحباط أية محاولة صهيونية لتهويد المكان. ويجب ألا يغرنا ما تم إنجازه، وهو عظيم، فهناك كيان يرى أن البيئة الإقليمية تمكِّنه من تغيير الوضع القائم.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com