الحربائية خصوصية في ثقافة الانسان

من المعلوم أن الحِرباء هو ذلك النوع من الزواحف الذي باستطاعته أن يغير لون جلده بحسب وضعه الفيسيولوجي والفيزيائي، وذلك لأسباب متعددة منها حسب الاختصاصيين في علم الزواحف أنها تلجأ لذلك كنوع من الدفاع عن النفس بالتخفي في لون النبات؛ حتى لاتتعرض للهجوم، وفي بعض الحالات من أجل أهداف تواصلية كالإغراء الجنسي أو حتى للتعبير عن المزاج والإحساس الذي تتعرض له في تلك الأثناء.
الحربائية في مجال الثقافة نظرية لجأنا إليها من أجل التعبير عن أهمية بليغة وجدناها من خلال التأمل في حال التطور التعليمي لدى الإنسان، وخصوصاً في مراحل طفولته، وتصاحبه بعد ذلك طيلة فترات حياته بدرجات ترتفع وتنخفض بحسب وعيه بها، والتمرينات التي يُخضِع ذاكرته ودماغه لها، فكيف ذلك يا ترى؟ وقبل ذلك ماذا نقصد بالحربائية الثقافية؟
يرى جاكوب برونوسكي في سلسلته الوثائقية المعروفة حول تطور الإنسان، أن فترة الطفولة لدى الإنسان هي الفترة التي يكتسب فيها بشكل هائل شخصيته الثقافية، ويتلون بحسب ما اكتسبه في تلك الفترة، وذلك باعتماده على مَن سبقه إليها من البالغين، فيستفيد منهم مقدرة التَّعَلُّم من البيئة والثقافة. ويرى كارل ساجان في كتابه المميز (تأملات عن تطور ذكاء الإنسان) أن أغلب الكائنات الحية على الأرض تعتمد بشكل كبير على معلومات غُرِست أصلاً في جهازها العصبي أكثر من اعتمادها على المعلومات المكتسبة بعد ذلك بخلاف الإنسان، وكذا جميع الحيوانات الثديية لكن بدرجات متفاوتة، فالعكس هو الوارد، حيث إن الإنسان أرقى هاته الثدييات في قدرته على تشكيل شخصيته الثقافية والارتقاء بطبيعته الى حضارته(1).
إنها قدرة غريبة على التَّشَكُّل الثقافي ذات بعدين إيجابي إلى حد كبير وسلبي إلى مدى أبعد، حيث إن تطور الذكاء الإنساني يساهم في تشكيل شخصية اليوم وشخصية الغد أيضاً بشكل مغاير تماماً لشخصيات الأمس؛ نظراً لوفرة المتغيرات الثقافية والمعلومات المعرفية التي لم يسبق للبشرية أن عاشت عهداً مثله، لذلك فإن العرب والمسلمين مدعوون بشكل أكبر إلى الاستفادة من هاته الخاصية الإنسانية أنْ انتبهوا إليها من أجل اكتساء ألوان ثقافية مشابهة للبيئة الثقافية السليمة التي يرغد أصحابها في عيش كريم، وأنْ يخرجوا بذلك من وحل الأسوار الثقافية والحيطان الدينية (أو قل اللادينية في حقيقة أمرها، بمعنى حواجز مكسوة بكسوة الدِّين وهي في عمقها أوهام مجتمعية كُسِيت بصبغة دينية).
فقط بهذا المنهج يمكن للمسلمين والعرب عموماً أن ينعموا برغد العيش وذلك بالنهم ما أمكن في طفولتهم الحضارية هاته من تجارب الغرب البالغ حضارياً مرحلة الرشد، فيفيدوا منه تجاربه بغض النظر عن الانتماءات العقدية والفكرية والأخلاقية، مع الحفاظ بطبيعة الحال على الخصوصية الثقافية الشرقية، وذلك لأن الإفادة من الآخر لاتعني بالضرورة تقمُّص شخصيته بقدر ما تعني لباس لُبُوسه، من الاحتفاظ بالهوية الثقافية التي لاتتغير في بصمات أصابعها ولا في شيفرتها الوراثية.
ولن يتم الاستفادة من خاصية الحربائية الثقافية للإنسان إلا باختيار البيئة الثقافية التي ينبغي أن يحط رجله عليها من أجل أن يُكسَى لُبُوسها، وليس ذلك غير اختيار الكتب القيمة ذات القيمة عبر التاريخ وصاحبة الإجماع الحضاري، من أجل أن يحط رحاله عليها ويرتع في مروج أفكارها وهضاب تأملاتها وواحات تدبراتها. يذهب توماس جيفرسون إلى أن «من لايقرأ شيئاً على الإطلاق أكثر ثقافة ممن لايقرأ سوى الجرائد(2).
لقد طور إنسان العصر الحديث تليسكوبات دماغية تبحث عن الفكر والثقافة في كواكب أخرى غير كوكب دماغه هو فتتضح له الرؤية لكل ما كان بعيداً عنه في ذي قبل، وليس مثالاً على ذلك كتلسكوب محرك البحث (غوغل) الذي يقرب له كل ما هو بعيد من كواكب الأفكار الموجودة في مجرات فكرية بعيدة عنه بسنوات ضوئية، لكن ويا للأسف أين المتخصصون في علم الفلك الثقافي بعالمنا العربي من أجل تفكيك شيفرات مثل هاته المجرات.
ـــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1. أنظر كارل ساجان، تأملات عن تطور ذكاء الإنسان، ترجمة سمير حنا صادق، ص 19 بتصرف.
2. موقع حكم (دوت نت).

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com