الخطوة الإيرانية التالية في سورية

تُركّز مختلف التقارير اليوم على حالة “الهرولة إلى الخلف” التي يعيشها النظام السوري أو ما تبقى منه بالأحرى، فالجميع يتقدم على حسابه الآن، جيش الفتح وجبهة النصرة وتحالف مقاتلي الجبهة الجنوبية وعناصر حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وتنظيم داعش. حتى الميليشيات الشيعية المحسوبة على النظام أو التي تقاتل دفاعاً عنه باتت تتصرّف بشكل شبه مستقل عن النظام، وفي كثير من الأحيان دخلت ميليشياتها مؤخراً في نزاعات مع من بقي من جيش الأسد من مقاتلين أصبحوا يأخذون تعليماتهم وأوامرهم من هذه الميليشيات.
تحالف الهلال الشيعي بقيادة إيران يهب من جديد لنصرة الأسد، ولكن ماذا باستطاعته أن يقدّم؟ كالعادة المال والسلاح والميليشيات. وعود رسمية بالوقوف معه حتى النهاية، وعود مالية بتسهيل تمرير مليار دولار إضافي قريباً، إرسال مدد من الميليشيات والأسلحة إليه في أقرب وقت.
حزب الله اليوم مستمر عملياً في التعبئة العامة والرمي يميليشياته في المحرقة السورية، لا يستطيع أن يتوقف أو يتراجع بعد أن أوغل بدم الشعب السوري لكن باستطاعته حشد المزيد من أتباعه والطائفيين في المنطقة للتوجه إلى سوريا وباستطاعته التحريض على إنشاء ميليشيات حشد شعبي لبنانية وسورية ويمنية وربما فيما بعد بحرينية وسعودية وكويتية على غرار تلك القائمة في العراق تمهيداً للدفاع عن معاقلهم الأخيرة، فالمعركة وفق توصيه هي “معركة صفين”!.
وما هي إلا سويعات على خطاب نصر الله، نشرت صحيفة الأخبار، لسان حال حزب الله، ما يفيد أن هادي العامري، زعيم الميليشيات الطائفية المسماة الحشد الشعبي العراقي على استعداده لإرسال جزء من ميليشياته المقاتلة في العراق إلى سوريا لنجدة الأسد، التقارير تتحدث عملياً بشكل أساسي عن مقاتلي حزب الله العراقي الذين أشرف على تأسيسهم وتدريبهم وتمويلهم الحرس الثوري الإيراني.
الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني وقائد عمليات الميلشيات الشيعية في الشرق الأوسط كان قد صرّح لوكالة إرنا الإيرانية بأنّه “خلال الأيام القادمة سيتفاجأ العالم مما نحضّره بالتعاون مع قادة الجيش السوري”. بعض المصادر الإعلامية كفرانس برس تحدّثت مؤخراً عن أنّ 7 من 10 آلاف مقاتل شيعي قد تمّ نقلهم من العراق وإيران إلى كل من دمشق واللاذقية خلال الأسبوع الماضي.
بموازاة ذلك، بدأ بعضهم يشير إلى إمكانية قيام نظام الملالي بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة مع الأسد عام 2006، في اعتراف بأنّ ما قدّمته طهران خلال أكثر من أربع سنوات لم يكن كافياً لإيقاف الأسد ولا حتى على رجل واحدة. وأنّ الأمر بات بتطلب تركيب أطراف اصطناعيّة للأسد قوامها دفعة جديدة من جيوش الميليشيات الشيعية التي تجتاح المنطقة برمتها ولكن بشكل رسمي هذه المرّة عبر هذه الاتفاقية.
وتعزا هذه الفكرة إلى الادميرال علي شامخاني رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني وهي تشير إلى أنّ الحاجة باتت ملّحة لتدخل إيران عسكري مباشر كبير في سوريا. المثير للسخرية أنّ يتم إرسال ميليشيات شيعية عراقية الآن إلى سوريا بجانب تلك اللبنانية والأفغانية والباكستانية والأفريقية والميليشيات من وسط آسيا. فالأولى غير قادرة حتى اليوم على منع تقدم “داعش” في العراق، لكنّ العبرة في هذا الأمر كلّه إثبات مدى ولاء هذه الميليشيات لمشغّلها الأساسي في طهران على حساب أوطانها، أو ليس هكذا يتم تعريف الطائفية بشكل دقيق جداً؟
شخصياً لا أعتقد أن باستطاعة إيران أن تقدّم أكثر بكثير مما قدمته سابقاً، ولا أعتقد أنّ هدفها الأساسي اليوم هو إبقاء الأسد في السلطة ليحكم سوريا، فهذا هدف غير واقعي وغير ممكن وطهران تعلم ذلك جيداً، ولكن لا شك أنّ لديها مصلحة في ألا ينهار نظام الأسد أو يتلقى ضربات جسيمة قبل التوصل إلى اتفاق نووي مع أمريكا يتيح لها لاحقاً قول كلمّة في الملف السوري.
المخيف في المعادلة هو الموقف الأمريكي الذي يؤدي عملياً إلى تضخيم الوزن الحقيقي للمساعدة التي تقدمها طهران للأسد، ويبدو أنّ واشنطن تريد بدورها أن تستمر الأوضاع على حالها في سوريا دون تغيير استراتيجي لأي من الأطراف على الأقل إلى حين التوصل إلى اتفاق نووي مع طهران، وهذا يعني أنّها لن تمانع في إرسال طهران المزيد من الميليشيات الشيعية الأجنبية لدعم الأسد طالما أنها غير موجّهة ضد واشنطن أو مصالح واشنطن في المنطقة.
إدارة أوباما ليس لديها استراتيجية في سوريا، ولا تبيعنا إلا جملة “الأسد فقد شرعيته ولا يمكن أن يكون جزءاً من مستقبل سوريا”. عملياً هي لا تفعل شيئاً يعكس هذا الموقف، بل على العكس مواقفها تصب بشكل غير مباشر في صالح الأسد وهي أكثر من أن نعددها هنا. خلاصة القول إن سوريا اليوم، كما العراق بالأمس، هي ضحية التفاهم بين واشنطن وطهران، هدفهما النهائي ليس في دمشق أو بغداد أو بيروت أو صنعاء وإنما على حساب هذه العواصم وشعوب هذه الدول.

* باحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com