الخطيئة الأميركية في القدس أقدم من نقل السفارة..!

في كلّ مرة يثير فيها الرئيس الأميركي دونالد ترمب موضوع نقل سفارة بلاده لدى الكيان الصهيوني من تل أبيب إلى القدس، أو اعترافه بالقدس عاصمة لـ(إسرائيل)، تتقدّم إلى الواجهة مجموعة من التّصريحات التي تعكس انفصالاً عن الواقع الذي ينبغي أن يكون حاضرًا في أذهان الفلسطينيين خصوصًا، لاسيّما من كان منهم جزءًا من اتفاق أوسلو، ومن حلقات مسلسل المفاوضات التي لم تكن لتختم قطّ على نهايات سعيدة للمتمسّكين بهذا المسار، والمستمسكين بالعروة الأميركية لا انفصام لها.
ولعلّ أوّل ما يتصدر المشهد هو الحديث عن أنّ نقل السفارة إلى القدس هو مؤشّر ودليل على أن الولايات المتحدة الأميركية ليست وسيطًا نزيهًا في عملية التسويّة، والسؤال هو متى كانت الولايات المتحدة وسيطًا نزيهًا في الصراع العربي (الإسرائيلي)، وبمعزل عن موضوع نقل السفارة والاعتراف بالقدس عاصمة لـ(إسرائيل)؟
إنّ الولايات المتحدة في كلّ محطات رعايتها لمحاولات إيجاد حلول في سياق الصراع لم تعمل إلا لمصلحة (إسرائيل)، وهكذا كان الأمر في اتفاقية السلام بين الأردن و(إسرائيل)، والتي كانت بدعم وضغط أميركي، بهدف تأمين خاصرة (إسرائيل) الشرقية. ثمّ كانت رعايتها لجولات المفاوضات بين الفلسطينيين و(الإسرائيليين)، فكان اتفاق أوسلو من بشائر (النزاهة) الأميركية في الملفّ الفلسطيني، حيث كان الدعم للمصالح (الإسرائيلية)، بصرف النظر عن ضعف الوفد الفلسطيني كأحد الأسباب التي أدّت إلى تمخُّض تلك المفاوضات عن ذاك الاتّفاق.
ثمّ كانت (النزاهة) الأميركية في عام 2014 مع الضغط على محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية للعودة إلى مفاوضات الأشهر التسعة التي ولدت مزيدًا من الاستيطان والتعنت (الإسرائيلي) تحت عين أمريكا وبرعايتها. وما هذا إلا غيض من فيض (النزاهة) الأميركية التي لايضيف إليها موقف ترمب أمرًا جديدًا ولايُنقِص.
ومن جملة المواقف كذلك التحذير من أنّ أيّ إعلان أميركي بخصوص القدس سيؤدّي إلى قتل عملية التسوية أو ضرب عملية السلام. ومن المفيد التذكير هنا بأنّ السلام لن يكون أبدًا إنْ لم يُعَد الحق الفلسطيني إلى أهله كاملاً، أما عملية السلام التي يجري الحديث عنها منذ عقود فجليّ أنّها لم تسر في السياقات المفروضة لتحقيق السلام، وهي عملية ليس لها من السلام إلا الاسم، أمّا ما يمرَّر في ظلّها فهو مزيد من استنزاف الحقوق الفلسطينية، ومن التّنازلات التي يتبرّع بها المفاوضون، ومن بسط يد (إسرائيل) وتثبيت احتلالها لفلسطين.
ولعلّ أساس المشكلة في ما يتعلّق بالموقف الأميركي من القدس تحديدًا ليست مرتبطة باتجاه ترمب إلى نقل السفارة فعلاً، أو تلويحه بذلك، أو تكليف طواقمه بالبحث عن تجهيز مقر لها، ولكنّها في مسار مَن سبقه من رؤساء ممّن أدخلوا القدس في بازار الانتخابات الرئاسية. فعلى مدى السنوات الماضية، عمد مرشحو الرئاسة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري إلى إدخال القدس في برامجهم الانتخابية، وتقديم الوعود بالاعتراف بها عاصمة لـ(إسرائيل) بعد الوصول إلى البيت الأبيض، وذلك لكسب دعم اللوبي الصهيوني فيحصدون وعدهم هذا دعمًا ماليًا وأصواتًا انتخابيّة في صناديق الاقتراع.
ولعلّ هذه السياسة التي تجعل من القدس مادة متداوَلة في سوق التنافس الانتخابي، والتي تَصالَح معها أنصار عملية السلام والمنظِّرون لها كتكتيك لمرشح الرئاسة الأميركي، تساعد في تأمين وصوله إلى كرسي الرئاسة ثمّ ينبذه، هي ما أوصلت إلى الابتزاز الذي يفرضه الرئيس الحالي ترمب، فهو يلجأ إلى المماطلة في التوقيع على تأجيل قرار نقل السفارة ليخلق حالة من الاستفزاز، ويستكشف أقصى ما يمكن أن تذهب إليه ردَّات الفعل العربية والإسلامية، رسميًا وشعبيًا.
ولعلّ ترمب يروق له مشهد الاستجداء الذي يتصدَّره المطبِّعون مع الاحتلال، الخائنون لعهد القدس والأقصى، فيحذّرونه من خطوة (تستفزّ) مشاعر المسلمين، وتفجِّر المنطقة، وتنعكس سلبًا على الوضع الأمني فيها، أو بمعنى آخر يستجدون الحقّ الفلسطيني – حقّ الأمّة – ممن رعى سرقته، فيسمحون له بمزيد من الابتزاز، والتّحكّم بمسارات الأمور في المنطقة بدلاً من العمل على كفّ يده عنها.
إنّه من المهمّ لمواجهة هذا الصَّلَف الأميركي الداعم للمشروع الصهيوني، أن يتحرَّر المرتَهنون لاتفاق أوسلو والمراهنون عليه من قيود ألزموا أنفسهم بها، ويفرضونها على الفلسطينيين عبر تكبيل المقاومة والتعاون مع (إسرائيل) على قمعها وإنهائها. ومن المهمّ أن تتعامل السلطة مع المقاومة على أنّها ورقة قوّة في وجه (الإسرائيليين) وكل من يقف خلفهم ويدعمهم. وكذلك على المستوى الرسمي العربي والإسلامي ينبغي التوقّف عن استجداء الأميركيين، إدارة بعد إدارة، لَكَأنَّها ربٌّ يُعبَد، ويخطّ المسارات ويرسم المصائر.
الإدارات الأميركية المتعاقبة لم تكن يومًا طرفًا نزيهًا في أية قضية، ومعيار (نزاهتها) كان دومًا مصلحتها، وسيكون كذلك دومًا، كأية دولة أخرى. إلا أنّ واقع الأمور يشير إلى أنّ مصلحة أميركا لم تتقاطع يومًا مع مصلحة شعوب المنطقة، بل إنّها دومًا على طرف نقيض منها، ولذلك، فمن العبث التطلُّع إليها كوسيط نزيه أو توقُّع دور إيجابي لها في الصراع العربي (الإسرائيلي)، أو في غيره من قضايا المنطقة.
أمّا في ما يتعلّق بحرصها على السلام، فهو حرص رأيناه في العراق، وفي سورية، واليمن، وفي غيرها من الدول التي تدفع ثمن التفسير الأميركي للسلام، دمًا وقتلاً وخرابًا وتدميرًا. إنّ الولايات المتحدة، راعية الاستعمار، لن تحدّد هويّة القدس وإن نقلت سفارتها إليها أو أعلنتها عاصمة لـ(إسرائيل)، ولكنّها ستحّدد فجر انتفاضة جديدة على الاستعمار وأدواته والمتواطئين معه والمتآمرين.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com