الدولة الكردية قريباً جداً.. ولا عزاء للراقدين

وفقاً للمواقف الرسمية المعلَنة، لاتوجد دولة في العالم تتبنى إقامة دولة كردية من أي حجم! سواء أكانت في حدود إقليم كردستان شمال العراق، أم في سائر المناطق المجاورة التي تضم أعداداً كبيرة من الكُرْد على حساب ثلاث دول أخرى، هي: تركيا وإيران وسوريا.
لكن السياسات الغربية التي تصر على رسم خرائط المشرق الإسلامي منذ انهيار الدولة العثمانية، لم تكن شفافة في أي يوم من الأيام.
فمؤامرة (سايكس/بيكو) الشهيرة لتقسيم العرب إلى أكثر من عشرين دولة، لم تنكشف قبيل تنفيذها، إلا بقيام الثورة الشيوعية في روسيا في العام 1917!
من مأمنها تُلدَغُ تركيا
في ربع القرن الأخير، تناغمت السياسة التركية مع أكراد العراق بعد أن فرض الغرب إقامة إقليم مستقل لهم شمال العراق، وخاصة مع مسعود البارزاني الشخص الأقوى نفوذاً، وعلى نقيضه منافسه جلال الطالباني الحليف لملالي قُم.
وحتى شهور قليلة مضت، كانتتركيا مطمئنة إلى ثبات موقف البارزاني المناوىء علناً لإقامة دول كردية. وأسهم في تعزيز تلك الثقة تعاون أربيل مع حملات الجيش التركي على فلول حزب العمال الكردستاني.
لذلك فلا ريب أن تركيا تشعر بصدمة، من قرار البارزاني المفاجىء تنظيم استفتاء في الإقليم حول مصيره، في 25/9/2017.
وقد حُدِّد تاريخ الاستفتاء خلال اجتماع في أربيل برئاسة مسعود البارزاني رئيس الإقليم، وقال بيان إن التصويت في الاستفتاء سيتم في ثلاث محافظات يتشكل منها الإقليم، ومناطق الأكراد خارج إدارة الإقليم.
وليس خافياً على متابع، أنه لم يعد لدى الأتراك أوراق قوية تكفي لإجهاض مشروع الدولة الخنجر، وهذا ما حصر ردة فعلها على قرار حليفها السابق في حدود الدبلوماسية الخافتة: إنه خطأ فادح!
وأما حكومة الملالي في بغداد برئاسة حيدر العبادي، فعمدت إلى أسلوب المراوغة النمطي، فهي ترى ضرورة ألا ينفرد الأكراد بقرار كهذا، لكن الحقيقة التي تؤكدها استراتيجية طهران المهيمنة على قرار بغداد، تقوم على السيطرة المطلقة على العراق باستثناء مناطق الأكراد، مع طرد أهل السنة من ديارهم، وصولاً إلى الحدود السورية لضمان خط بري صفوي يوصل الملالي إلى شاطىء المتوسط في لبنان المختطَف والساحل السوري الخاضع للنصيرية بقرار أممي غير معلن!
وكان مجلس كركوك قد رفض في الفترة الأخيرة طلب بغداد إنزال العلم الكردستاني!
وهنا يجب التَّنَبُّه إلى أن حكومة العبادي أدت (واجبها) في سياق التبعية لخامنئي، فأصرت على تنحية الوجود العسكري التركي قرب الموصل، وهذا ما أصبح عنصراً إضافياً لخدمة مؤامرة (الدولة) الكردية.
وقال رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، إن إجراء استفتاء الآن لن يكون لا في صالح الأكراد ولا العراق.
ونقلت عنه وكالة رووداو الكردية للأنباء قوله في أبريل إن «رغبة أشقائنا الأكراد في تأسيس دولة لهم حق لهم! وليس من حق أحد أن يثنيهم عن ذلك».
«لكن إجراء استفتاء في هذا الوقت ليس أمراً صائباً، لأن الحرب ماتزال دائرة، والوضع في المنطقة ليس مستقراً، وبعض الدول المجاورة تعتقد أن هذه الخطوة تمثل تهديداً لأمنها القومي».
وقد حذر رئيس الائتلاف الشيعي الحاكم، الذي يضم حزب الدعوة الذي ينتمي إليه العبادي، من اتخاذ أية خطوات أحادية الجانب.
وكان هوشيار زيباري، وهو مسؤول كردي كبير، قد قال لوكالة رويترز في أبريل إن التصويت بـ»نعم» لايعني بالضرورة إعلان الاستقلال.
وأضاف أن هذا فقط سيساعد الأكراد في الضغط من أجل الحصول على صفقة أفضل في تقرير المصير، بعد هزيمة (داعش) في العراق.
وتؤدي قوات البيشمركة الكردية دوراً كبيراً في الحملة التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية ضد التنظيم، الذي استولى على مساحات كبيرة من شمال العراق في العام 2014.
وبينما تشارك قوات البيشمركة في طرد مسلحي التنظيم خارج العراق، فإنها تسيطر على أراض مختلف عليها بين الأكراد والحكومة المركزية.
ومن بين تلك المناطق مدينة كركوك، وبلدات مخمور، خانقين، وسنجار، وهي المناطق التي أعلن مساعد البارزاني الرفيع المستوى هيمين هورامي أن التصويت سيتم فيها أيضاً.
والأرجح أن يكون الاستفتاء نقطة انطلاق المشروع التمزيقي، الذي يحظى برعاية أميركية ضمنية، حيث ترفض واشنطن – منذ عهد أوباما حتى اليوم – مشاركةً تركية فعلية وحاسمة في طرد (داعش) من الرقة السورية والموصل العراقية!
بل إن تسليح أميركا لمتطرفي الكرد في سوريا بأسلحة ثقيلة، لم يعد يجري سراً، وهو ما تعتبره تركيا عضو الناتو بإجماع أحزابها وجيشها تهديداً لأمنها القومي، الأمر الذي يوحي بأن سلْب الشمال السوري الغني بالنفط والمعادن والزراعة، لإقامة نواة حكم شبه مستقل، قد يكون الخطوة التمهيدية لضم المنطقة إلى الدولة الجديدة.
وربما يأخذ سلخ جنوب تركيا ذي الوجود الكردي الواضح بعض الوقت.
لكن المفاجأة التي لن تفاجىء إلا الساذجين، تكمن في منع كرد إيران من الانضمام إلى الدولة الكردية، لأن القرار الغربي الاستراتيجي منذ 200 سنة يتلخص في منع تقسيم إيران وإنما توسيع دوائرها بالاحتلال من الأحواز في العام 1925 بمؤامرة بريطانية رخيصة، إلى غض البصر عن شلالات الدم التي تريقها في العراق وسوريا لتمديد إمبراطوريتها (المخلصة) تاريخياً للغرب وأطماعه!

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com