الرزنامة المقدسية

إن جزءاً من تشكيل مفهوم النصر هو الانقلاب على تواريخ الهزيمة، هو إيجاد حالة ذهنية تحول إرث الخسارة إلى مكسب وتستفز الهمة من بعد الرقود وتحمِّل الأجيال أمانة الإصلاح حيث أخطأ أو قصَّر الأولون.
في كل عام ترجع إلينا مناسبة ما يسمى بـ(وعد بلفور) الذي حاول أن يلبس لبوس الإنسانية وينطق بلسانها فينظر بعين العطف إلى ما وصفه بعذابات شعب عانى التقتيل والتشريد وآن له أن يستقر وينشىء دولته في فلسطين، وكأن فلسطين هذه كانت خربة وأرضاً عزلاء منسية تنتظر من يستوطنها ويعمرها، بينما الحقيقة أن ذلك الوعد المدنِّس لم يكن أكثر من صفقة اشترت بها بريطانيا مادة لصنع القنابل من الصهيوني حاييم وايزمان وأعطته مقابلها عطاء من لايملك لمن لايستحق، وكانت السبب في أكبر مأساة في تاريخ الإنسانية حيث محت وطناً عن الخارطة، وماتزال بذات الغطرسة ترفض حتى مجرد اعتذار أدبي ورمزي عن سلوكها الاستعماري بالرغم أنها قدمته للكثيرين بمن فيهم قبائل افريقية صغيرة!
تعود الذكرى السنوية وحال السياسة الرسمية في تردٍّ بلغ أشده بالانقضاض على المقاومة لأجل مسار التفاوض الذي ما انفك يثبت فشله جولة بعد جولة، ومن حسن الحظ في هذا أن العدو الصهيوني ينقض ويخلف ويستمر بسياساته الأحادية والمتطرفة دون مراعاة لعهود واتفاقيات!
تعود الذكرى وقد فهمت بعض الشعوب حال ساستها فغسلوا أيديهم منهم والتفتوا إلى ما بين أيديهم من عناصر قوة ونجاح يستثمرون فيها.
تعود الذكرى وسياسة العدو تحاول إطباق فكي الكماشة على القدس تحديداً، فهي وإنْ أقامت كيانها في الساحل لاتلتفت ولاتنسى أن المركز وإنْ طال الزمن ليس إلا في القدس، إذ لا معنى عندهم لـ(إسرائيل) بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل!
ومخططاتهم واضحة ومعلَنة تهدف إلى تهويد المدينة بتغيير معالمها وهويتها وإحاطتها بالمغتصَبات وتشجيع الصهاينة على سكناها وطرد أهلها والتضييق عليهم والثأر منهم، وتغيير هويتهم بتغيير التعليم والمناهج، وحصار المسجد الأقصى وأهله، وبتجريم المرابطين وملاحقتهم وفرض السيطرة الأمنية عليه بالكاميرات والبوابات!
تعود الذكرى وقد فهم أهل الأردن قبل غيرهم دور الأردن تحديداً في قلْب الطاولة وتغيير المعادلة بالاستثمار في الإنسان المقدسي ليكون رأس الحربة في مشروع المقاومة الشعبي، تعود الذكرى وأهل الأردن قد فهموا أن إرادة الشعوب غالبة مهما كان التفوق العسكري، ولذا بدأوا مشروعهم منذ سبع سنوات في تثبيت الإنسان المقدسي كعنوان للصمود والحفاظ على المقدسات.
إنه مشروع جبار حمل لافتة أمل ودعم تزهو بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم (فابعثوا بزيت يُسرَج في قناديله)، فكانت الحملة السنوية فلنشعل قناديل صمودها، حملة حوَّلت كل الآمال والتمنيات والغضب والإدانة إلى حالة فعل وقوة قطفنا ثمارها بأعيننا. فثمة مقدسيون منزرعون في أرضهم وبيوتهم يفدون مسجدنا الاقصى بالغالي والنفيس.
فلنشعل قناديل صمودها بلغت السنة السابعة من عمرها بستة مراحل من الأعمار رممت خلالها ٢١٨ وحدة سكنية استفاد منها ١١١٠ أشخاص وأعمرت منشأتين تعليميتين يدرس فيها أكثر من ١٥٠ طالباً.
ثمار قطفناها في الانتفاضة الأخيرة يوم قيَّض الله للمسجد عباداً له أولي بأس شديد يحمونه ويذودون عنه.
يومها كان أهل الأردن موجودين لا بالروح فقط وإنما بأجر الرباط في كل رقعة وبيت عمَّروه وكل مرابط ثبَّتوه، يومها كان صوتنا عالياً في كل تكبيرة، وقدمنا راسخة في كل خطوة حبسنا العذر فأطلقنا عقال رقابنا بالنصرة بالمال.
هذا اليوم قد حان موعده هذا العام لنجدد وثيقة رباطنا وصك ملكيتنا وولادتنا المقدسية المحفوفة بالبركة.
كان عطف العالم يوم بلفور ومايزال مع الصهاينة فأين عطفنا واإى من ترحل عيوننا؟
اليوم أزِفَ والقدس تتجهز والأقصى ينتظر سراجه فهل عقدتم العزم على نصرته؟
لقد ولَّت أيام الهزيمة والتباكي وبدأنا بكتابة رزنامة مقدسية وتاريخ جديد وولادة متجددة عنوانها باقون باقون ما بقي الزعتر والزيتون.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com