الركوب على الحواس

لايختلف اثنان على أن الإنسان في تركيبته الجسدية يشبه الآلة الميكانيكية التي تحتوي على مجموعة من التطبيقات التي تشتغل في نفس الآن من أجل تحقيق أهداف معينة خُلِق من أجلها.
للأسف قليل من الناس في هذا العالم فقط من يتَفَطَّن بشكل أدق بمدى قوة إمكانياتهم ويعي ضرورة استخدامها أحسن استخدام حتى لايعيش حياة البهائم والأنعام، فما يفْرِق هاته الأخيرة عن الإنسان هو هاته النقطة بالضبط التي نروم توضيحها في هاته الورقة، وهي تفاوت استخدامات الحواس لدى الإنسان باختلاف درجات إدراكه لهاته المسألة.
لنوضح الأمر أكثر نقول إن الإنسان حين يستيقظ تكون حواسه الخمس مشتغلة، بل وحتى خلال مرحلة نومه فإن بعض حواسه تعمل، بل يختلط الحلم لديه حين يكون نائماً وسط الضجيج، فتتداخل لديه الحقيقة بالخيال حين استيقاظه، وحيث يسمع مثلاً نفس الموسيقى التي تروج في البيت، هي عينها التي كان يغنيها في الحلم وذلك لأن عقله الباطن أدخل المعلومات التي تدور بالقرب حيث يتواجد جسده داخل أحداث الحلم.
إذا كان الأمر كذلك، ومن خلال ملاحظة دقيقة للفروق بين استغلال الحواس بين الناجحين من بني آدم وغيرهم من الفاشلين، يتبدَّى جلياً أن نسبة النجاح عند الأولين ترتفع بمقدار حُسْن استغلالهم لحواسهم.
يستيقظ أحدنا في الصباح، فيجد نفسه يسمع ويبصر ويشم إلى غير ذلك من الميكانيزمات التي خُلِقت لا لشيء إلا لتحقيق أهدافنا، فتجدنا غافلين عن هاته الإمكانيات الهائلة التي لانقدِّرها حق قدرها، فنبكي على أنفسنا قلة حيلتنا وقِصَر طول اليد، في حين إن الحق يعدنا بأن الرزق هو قد ضمنه، فكيف الخروج من هذا التناقض الموهوم.
يسكن الإنسان ليس حواساً خمساً فقط، بل ما لايحصى من الميكانيزمات المشابهة التي تساعده على قراءة الكون المنظور، بل قل إن الوجود الإنساني وجودات متعددة ومراتب بعضها أعلى من بعض، هي مراتب وعيه ومقامات إيمانه فإحسانه، وهي سماواته المعرفية السبع التي إنْ تجاوزها عرف نفسه ومن ثم تحقَّق من شهود ربه في تجلياته التي يمثل الإنسان خير مثال عليها.
وقد بدأ العلم الحديث مؤخراً ينتبه إلى هاته الحقيقة شيئاً فشيئاً، حيث بدأ يفرق بين كيانات متعددة داخل الجسد الإنساني، فهذا الكيان العاطفي وذاك الكيان النفسي وذلك الكيان العقدي وآخر هو الكيان العقلي. وهكذا، ولذلك أقر (ألكسيس كارليل) في كتابه (الإنسان ذلك المجهول) بأن الحقيقة الإنسانية ماتزال مبهَمة إلى يوم الناس هذا.
تختفي وراء الحواس أجهزة أدق وأهم هي التي تقوم بقراءة تشفيرات ما ترسله الحواس من معلومات من أجل شيء أهم هو اتخاذ القرار، هذا الهدف الأهم هو الذي لانُلقِي له بالاً، وهو المراد من الخلق، فكل ما تقوم به الحواس وما يكمن خلفها من ميكانيزمات يأتي كله في سياق خدمة سيد الآلة الذي يركبها من أجل تحقيق أهدافه وهو الدماغ.
تشتغل الكيانات الداخلية للإنسان متحدة على وجهين من أجل خدمة ما يتخذه الدماغ من قرارات سواء كانت ذات أهمية أو غير ذات أهمية، يشتغل من وجهٍ على قراءة تشفيرات الحواس في مرحة أولية ومن وجهٍ آخر يستجيب لقرارات العقل من أجل تنفيذها عبر أفعال في مرحلة ثانية.
تختلف الحضارات اليوم قوة وضعفاً بمقدار وعي أفرادها بمثل هاته الحقائق، بل لاينفرد الإنسان عن الدواب إلا بهاته المسألة في أدنى مراتب الذكاء، وكلما ارتقى في الوعي بهاته المسألة إلا وزاد تحَضُّره ونما رقيه وازدهرا بطريقة عيشه، وما على الإنسان الذي وجد نفسه يعيش وسط بيئة متخلفة إلا اختيار دروبه الثقافية حتى لايستنشق الا النقي من الهواء الثقافي ولايمشي إلا على المزهر من الأراضي الفكرية ولايبصر إلا العالي من الكتابات العلمية ولايكتب بأنامله إلا البديع من المعاني، وبالتالى لاينتج عنه إلا الحذق من الأفعال، وبهذا تعمر الأرض، وعمارة الأرض عين العبادة، وما الشرائع إلا بنزين المحبة لتحقيق تلك الغاية.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com