الروهينغا.. المواطنة أو تقرير المصير

لم يفُت على المراقبين أن زيارة الرئيس الأميركي ترمب لآسيا كانت تطبيقاً لعقيدته السياسية عن كون أميركا أولاً. فلم ينبس ببنت شفة خلال زيارته لكل من الصين والفلبين عن خرقهما لحقوق الإنسان خرقاً كان لأميركا فضل إذاعته في الماضي. وكان غريباً أن يختم ترمب زيارته للقارة المُرَوَّعة بمحنة الروهينغا في ميانمار بغير عبارة منه عنها.
وزاد الطين بلة أنه ترافق مع زيارته تلك زيارة قصيرة لوزير خارجيته ركس تيلرسون لميانمار لم تزِد الصمت الأميركي على المحنة إلا كآبة، فقد قال الوزير إن أميركا بحاجة لمزيد من المعلومات عن الوضع في ميانمار قبل أن تتفق مع الأمم المتحدة على أن مُصاب الروهينغا تطهير عرقي. ودعا إلى تحقيق (مستقل) في أزمة الروهينغا لأن ما ترامى إليهم عنها فيه ملامح من الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. وسينتظرون استكمال التحري ليتبينوا إنْ كان تطهيراً عرقياً أم لا. وجاء إلى بيت القصيد وهو عزوف أميركا عن فرْض أية عقوبات على ميانمار لكبح جماح تعدياتها المزعجة لأنها لن تجدي فتيلاً في حل المشكلة!
وغير خاف مع ذلك أن أميركا تراهن على آن سان سو تشي، مستشار الدولة في ميانمار (وسنعرف عن طبيعة اللقب أدناه)، وزعيم حزب التحالف الوطني من أجل الديمقراطية الحاكم، والحائزة على جائزة نوبل عام 1991 لدورها في مقاومة النظام العسكري في ميانمار لعقدين، للانتقال من حكم الجيش إلى رحاب الديمقراطية. ولهذا وصف تيلرسون مَن دعوا لفرْض العقوبات على ميانمار لوقف اضطهاد الروهينغا بـ(حسنو النية) لأنهم لم يعتبروا أن ما يريدونه من فرْض عقوبات أدنى لن يتحقق بالنقلة الديمقراطية في ميانمار. وعليه لاتريد أميركا في ظنها أنْ تقلب بمقاطعة ميانمار المائدة على مثل سو تشي ممن تدَّخرهم لمستقبل ديمقراطي قادم. فأميركا بالأحرى ستكتفي، حتى لو جاء ما يقنعها بأن ما يجري في ميانمار تطهير عرقي، بعقوبات مسدَّدة إلى الأفراد المتورطين فيه لا بالجملة. وستعفي الدولة من العقوبة حتى تنضج الديمقراطية فيها على نار سو تشي! ولهذا أثنت سو تشي على تيلرسون خلال زيارته وزكَّته لـ(سعة) عقله!
بدا لي أن محنة الروهينغا معلقة بسو تشي كاي بوتيرة استحقت المراجعة. فهي موضع إدانة وعتاب ممن أرادوا نصرة الروهينغا. وهي كما رأينا أمل أميركا في نظام ديمقراطي يستنقذهم في خاتمة الأمر. فأكثر نصراء الروهينغا من خطاب إخجالها بتقاعسها في المسألة وهي العضو في نادي حملة جائزة نوبل بملزوماته في نصرة الداعي إذا دعا. وراحوا يعيدون عليها ما جاء على لسانها الطليق بالحرية خلال مقاومتها الديكتاتورية في بلدها، في حين بلعت ذلك اللسان السليط حيال محنة الروهينغا. وجعلوا مدار المسألة وازع الأخلاق وأن توفي الحرة بما وعدت. ونرى أميركا، من جهة أخرى، تُسَوِّف في الضغط بالعقوبة على ميانمار بأمل أنْ يسلُس زمام الحكم لسو تشي فتجد محنة الروهينغا حلها على يديها في الديمقراطية المستعادة.
لا أدري على أية حيثيات يعلق مناصرو الروهينغا خلاصهم بصحوة ضمير (نُوبلية) من سو تشي بضربهم على وتر إخجالها بعضويتها في نادي تلك الجائزة. فكم هي المرات التي ناضل قوميٌّ شديد القُوى مثل سو تشي ضد محتل أجنبي او مستبد محلي، ثم جاءه النصر ووجد نفسه ينحاز لخاصة قومه دون سواهم؟ فناضل عندنا القوميون السودانيون من شمال السودان العربي المسلم الاستعمار الإنجليزي باسم الوطن جميعه. وما ظفروا بالحكم حتى انكمشوا في قوميتهم الأصغر دون القومية الأكبر. فليس بيد من يلوِّحون لسو تشي بكارت جائزة نوبل دليل منير على أنها عدَّت، خلال مقاومتها ديكتاتورية الجيش، الروهينغا طرفاً مستحِقاً في مجتمع ما بعد نهاية الديكتاتورية. فاضطهاد الروهينغا المسلمين بيد المنغوليين البوذيين سابق لحكم الجيش الذي بدأ عام 1962 وعائد إلى ثلاثة قرون، منذ قضى الأخيرون على دولتهم المستقلة عام 1784.
وما يجري اليوم من طرد للروهينغا إلى بنغلادش وغيرها روتين ميانماري مستتب في منعطفات التاريخ. فجملة الفارِّين من الروهينغا إلى بنغلادش الحالية وغيرها أكثر من نصف مليون في سنوات الاحتداد الوطني في العام 1799، وخلال الحرب العالمية الثانية، وعام 1978، وعام 1991. فسو تشي ورثت من قومها هذا التاريخ في تطهير الأمة من عِرْق وثقافة (غريبين) سيلوثان نقاء الأمة المنغولية البوذية متى أذن لهم بالمواطَنة. وهذه سنة معروفة في كل الصور الرعناء لبناء الدولة، كحال الأمة في إسبانيا في القرن الخامس عشر، وفي ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، وفي جنوب أفريقيا عام 1948. وقد وقف العالم على تراجيدية تخطيط ميانمار حدودها المنغولية البوذية حين زرع الجنود المتفجرات طوال الحدود من وراء الروهينغا الفارين حتى لايحلموا بالعودة إلى وطنهم.
من الجهة الأخرى، فلعله من الخسران بمكان امتناع أميركا، برهانها على سو تشي وديمقراطيتها المنتظرة، من الضغط الغليظ على ميانمار لاستنقاذ الروهينغا من براثن التطهير العرقي. فسو تشي نفسها، كأنثى، ضحية الشعر القومي الميانماري. فقد حال دستور 2008 دونها وأنْ تكون رئيسة للجمهورية بعد فوز حزبها الكاسح في انتخابات عام 2015. فقضى الدستور ألا تكون كذلك لأنها أم لذرية من رجل أجنبي. وهذا مطلب في نقاء الأمة غاية في الغلو. وبالنتيجة أخذ مكانها في الرئاسة واحد من أقرب مقربيها عالماً أنه (مُتَيَّس) في لغتنا: وهو الرجل الذي يُستدعَى لتحليل عودة الطالق ثلاثاً لزوجها. وقالت سو تشي بصريح العبارة إن أمر الرئاسة سيكون لها من وراء ستار. ولذا وصفها صحفي ميانماري بأنها «محرِّك الدُّمي الأعظم».
من جانب ثان فواضح من تركيبة الديمقراطية الميانمارية الحالية فساد خطة أميركا لاستعادة الديمقراطية مراهنة على ثِقَل سو تشي الرمزي. فالجيش الميانماري متغلغل في هذه التركيبة تغلغلَ مقيمٍ لا عابر. فله دستوريا ربع المقاعد في المجالس النيابية القومية والمحلية. فهو يحتل مثلاً، وبالدستور، 110 مقاعد في مجلس النواب الذي لحزب سو تشي فيه 255 نائباً. علاوة على احتكار الجيش لوزارات ثلاث هي الدفاع والداخلية والحدود. فالصبر لتنضج هذه الديمقراطية المغشوشة على نار رمزية سو تشي، ورهان الأميركان عليها، طريق مسدود سيزيد من معاناة الروهينغا.
ولا أدلَّ على مظاهر انسداد هذه الطريق من فشل قيام حكومة سو تشي بتحقيق صريح في محنة الروهينغا. وبلغ من عُتُوِّها أنْ منعت منظمات حقوق الإنسان من دخول إقليم أراكان لتستقل بتحقيق عن الحقيقة على الأرض. وصار تحقيق ميانمار لنفسها بنفسها لعبتها المفضلة. فقامت حتى يومنا أربع لجان للتحقيق برئاسة سو تشي ولا جدوى. وتكونت لجنة خامسة للغرض بقيادتها أيضاً إكراماً لضيفهم تيلرسون. فتيلرسون لم يجد، وقد استبعد فرْض عقوبة سياسية واقتصادية على النظام لاستهتاره بالروهينغا، سوى أن يطلب بالتحقيق في المحنة! فزاد ردوم لجان التحقيق كوماً. وهي لجان لذر الرماد في العيون. أما الجيش فقد سبقنا جميعاً بالتحقيق في المحنة، وبرأ نفسه من كل عيب كما هو متوقع، وصرف المآخذ على فظاظته مع الروهينغا بأنها مما اضطُر إليها في حرب إرهابهم.
سينتفع الروهينغا من الديمقراطية كما انتفعوا منها في سنوات ما بعد الاستقلال عام 1848 التي كان لهم فيها وحدهم تمثيل مستحق في الوظيفة السياسية. ولن ينجح مسعى أميركا لاستتباب الديمقراطية في ميانمار بالتسويف. فعليها أن تسمي ملاحقة الروهينغا في ميانمار باسمها. فهي ماتزال تنتظر تحقيقاً تطمئن به أن ما يجري على الروهينغا استئصال عرقي وليس مجرد جرائم ضد الإنسانية. ولم تأخذ بما اتفق للأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان من أنه تطهير عرقي. ونقول عرَضاً إن موقف أميركا عكس ما جرى لها في السودان في سنوات 2004 و2005. فأميركا وحدها من قررت أن ما حدث لـ(أفارقة) دارفور استئصال عرقي، في حين قالت الأمم المتحدة إنه جرائم ضد الإنسانية.
ومتى سمت أميركا الجريمة باسمها، والتزمت بملزوم هذا الإعلان من فرْض العقوبات السياسية والاقتصادية، ستوطن ميانمار في مأزقها توطيناً تكف به عن التعذر والتعلل. وهذا ما فعلته بقانون سلام دارفور وحساب مرتكبي الجرائم فيها عام 2006 الذي ما تزال مفردات عقوباته قائمة حتى بعد رفع أميركا لعقوبات أخرى عن السودان. وربما كانت مثل هذه العقوبات هي المساعدة الوحيدة الممكنة لترجع ميانمار عما هي فيه من التَّوَحُّش إلى الأنسية.
إن سبيل استتباب ميانمار على الديمقراطية واضح إلا أن أميركا غير راغبة في طرْقه! فكانت حكومة ميانمار قد كوَّنت تحت الضغط العالمي لجنة في العام 2016 بقيادة السيد كوفي عنان، السكرتير الأسبق للأمم المتحدة، لتوصي في ما ينبغي فِعْله حيال أزمة الروهينغا. ووصَّت اللجنة بإضفاء المواطَنة على الروهينغا، وهذا مبتدأ الديمقراطية وخبرها. وانتهت إلى وجوب منح الروهينغا حق تقرير المصير كما طلبوا، متى امتنعت ميانمار عن منْحهم صفة المواطَنة في الدستور وما يترتب عليه.

V كاتب سوداني
IbrahimA@missouri.edu

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com