الطواحين البشرية وحمير الرحى..؟

كثيراً ما نطرح التساؤل على أنفسنا نحن أهل الشرق: لماذا نحن متأخرون في حين إن إخواناً لنا في البشرية على الضفة الأخرى من البحر، سواء ذاك الجانب الغربي منه أو ذاك الحفاف الشمالي يرغدون في هنيء العيش ويسبغون في رغد الحياة؟
يتشعب الجواب بقدر تنوُّع أساليب الحياة واختلاف الأسباب وتنوُّع البواعث وتفاوت العلل وتباين المثالب وتفنن الحوافز.
لكن أبرز الدوافع الظاهرة الخفية في نفس الآن في معادلة لايفُكُّ شيفرتها إلا ذووا النُّهَى وأصحاب الحصافة هو تلك القدرة على الفرار من حالة حمار الرحى الذي وصفه الحكيم الصوفي ابن عطاء الله الاسكندري بقوله: (لاترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى يسير، والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه، ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون «وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى»).
إنها رحلة في النفس تتجاوز بها حُجُب الفكر وسراب الوهم لتظهر لك حقائق الأشياء. آنذاك تستطيع أن تنتقل من حالة الطواحين البشرية التي تنشغل بالأطنان من الأعمال دون إنتاج حتى ولو القليل من المردودية، وهو عين ما وصفت به المبدعة الإيرلندية كارولين دونيلي أمثال هؤلاء بقولها: «البعض لايستطيع التمييز بين الاتصاف بالانشغال وبين القدرة على الإنتاج. إنهم طواحين بشرية، مستغرقون في العمل، ولكنهم في واقع الأمر لايُنتِجون سوى القليل».
فمن خلال رؤية المبتكرة دونيللي فإن ما يميز المبتكر من بني آدم عن درجة البهائمية في بني الإنسان هو المردودية والإنتاجية والتي لاتُذْكِيها إلا القدرة على الابتكار والإبداع، وهذا عين ما اتَّصفت به الحضارة الشرقية في أوج عطائها إلى أن خبا نورها وكادت تنطفىء شعلتها، لكن ضوء الأمل دائماً متواجد، ذاك أن المتشائم في نظر (تشرشل) يرى الصعوبة في كل فرصة، أما المتفائل فيرى الفرصة في كل صعوبة، وإلا لم يكن للكد معنى ولا للسعي فحوى ولا للتطلُّع مغزى، وكما أنشد الشاعر جميل صادق الزهاوي:
يعيشُ بالأملِ الإِنسانُ فهو إِذا… أضَاعَه زالَ عنه السعيُ والعملُ
لم يَعْبُدِ الناسُ كلُّ الناسِ في زمنٍ … سِوى إِلهٍ له شأنٌ هو الأملُ
إنه لاييأس من رَوح الله إلا القوم الخاسرون أو كما ارتأى العالِم الأسكتلندي روبرت ليجتون: «الزهرة التي تتبع الشمس تفعل ذلك حتى في اليوم المليء بالغيوم».
ولايخفى على نبيهٍ ما للتفاؤل من دور في شحْذ الهمم لبلوغ أي مرمى وللوصول لأي مقصود ولتحقيق أية غاية، وقد أنشد في هذا المعنى الأديب جبران خليل جبران فيما يشبه الشعر الحر: «هناك من يتذمر لأن للورد شوكاً، وهناك من يتفاءل لأن فوق الشوك وردة». فمن يتصبَّر ويصابر يجد من الله عوناً فهو مع الصابرين. وإلى هذا المعنى وصل المفكرون أمثال الأميركية بامبونتوس التي أبدعت قائلة: «إن قوة الدفع تخلق المزيد من قوة الدفع، وكذلك التحفيز فإنه يغذي نفسه بنفسه»، وهو ما يمنحك الثبات والعزم على طول الطريق إلى أن يشرق الضوء في آخر النفق كما يرمز الى ذلك المثل الفنلندي.
كما أن تحقيق الأهداف الكبرى لايتم إلا بالتدرج بإنجاز الصغير منها، حيث أشار الى ذلك هارولد ميلخرت حين صرح قائلاً «عش حياتك كل يوم كما لو كنت تتسلق جبلاً، إن نظرة من حين لآخر باتجاه القمة ستحافظ على بقاء هدفك في عقلك، إلا أنه سيظل أمامك الكثير من المناظرالجميلة لتتأملها من على كل نقطة وصول أثناء صعودك. تسلق ببطء وبثبات مستمتعاً بكل لحظة تمر عليك، ومنظر الجبل تحت قدميك عندما تعتلي القمة سيكون ذروة الإثارة في تلك الرحلة».

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com