العلاَّمة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي: صمام أمان الأمة «2-2»

«3»
رجل رسوخ وعمق: افتح أي كتاب من كتبه؛ لتجد بشكل غالب وظاهر، عمق الكتابة، ورسوخ الفكرة، جامعاً حول الموضوع الذي يكتب فيه ما يصعب حصره في كتاب، مع تعقيبات وتصويبات، وفوق ذلك لمسات من جمال الأسلوب، ودقة التحرير، ووسطية الخطاب، وواقعية التوجيه.
نعم قد يجد المتخصص ما قد يعترض على الشيخ القرضاوي في نتيجة ما وصل إليه، واهتدى لفهمه، لكنه لايشكُّ أنه يزاوج بين عين النص وعين المقاصد، ويبحر في شواهد النقل، مع واسع الفهم.
وهذه المنهجية يجدها من قرأ له في الفقه، مثل (فتاوى معاصرة، فقه الجهاد، أحكام الطهارة، …)، أو حتى في الفكر، مثل (ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده، السياسة الشرعية، …)، بل حتى في موسوعة الطريق إلى الله، مثل (التوبة، الزهد، …).
إن المتأمل المدقِّق في كل ما مضى لَيجد بوضوح أن الشيخ لم يكتب ليذوِّق كتابته بواسع النقول، بقدر ما هو يقنِّن المسائل، ويضعها في نصابها بعد طول بحث، وعمق فهم؛ ليصل بذلك إلى كليات الإسلام ومقاصده الكبرى.
ومن هذه الغزارة، يمكن القول إن الشيخ يوسف القرضاوي هو من أوائل من هَنْدس (فقه الأقليات)، وضبط معالمه، وبنى قواعده، سانده في كل ذلك مخزونه المعرفي في الأحكام والمقاصد، وخبرته الطويلة، وفهمه لطبائع النفوس.
لذا لا غرو أن يدرس العشرات من كبار علماء العصر اليوم هذه الحالة (القرضاوية المقاصدية)، ويشيدوا بها، بفلسفة ودراية. ولعل من أواخر وأعمق ما كُتِب عن الشيخ القرضاوي في هذا المعنى: مبحث في كتاب (من أعلام الفكر المقاصدي) للشيخ المقاصدي الفقيه د. أحمد الريسوني. ومبحث في كتاب (السياسة الشرعية عند أعلام الفقهاء المعاصرين)، وهو رسالة دكتوراه في (جامعة مكة المكرمة المفتوحة)، للدكتورة هند لرضي، بإشراف د. أحمد الريسوني. ومن قبلها فقيه الدعوة الأستاذ محمد أحمد الراشد في مبحث من كتابه (أصول الاجتهاد التطبيقي). وسواهم ممن إذ سنحت الفرصة عرضت لـ(ببليوغرافيا) بأعمالهم المهمة عن الشيخ القرضاوي، ومشروعاته.
وأظنُّ أن للشيخ فتوحات وترجيحات لم يُسبَق إليها، كما في كتابه الحفيل (فقه الزكاة) وكتاب العصر (فقه الجهاد)، وموسوعته البحثية (فتاوى معاصرة) في أجزائها الأربعة، وسواها.
وكم اغتبطت بعد أن رأيتُ الرسالة العلمية (فتاوى الدكتور القرضاوي التي خالف فيها المذاهب الأربعة في العبادات) للدكتور: عبدالرحيم توفيق قاسم خليل، والتي قدَّم لها الشيخ المجاهد: رائد صلاح، وهي رسالة دكتوراه مطبوعة مؤخراً عن (دار الفاروق) بعَمَّان.
لذا أوصي عدداً من طلبة العلم في (رابطة تلاميذ الإمام يوسف القرضاوي)، أن يسهموا في تقريب علم الشيخ، ونظراته المسدَّدة، وترجيحاته الموفَّقة، وخاصة في قضايا الأمة الكبرى، وما يشغل بال شبابها، ويؤثِّر على مسيرتهم.
كما أن الفرصة سانحة لكل جاد ليستلهم رؤى الشيخ في الفقه والأصول والسيرة، والتي كثيراً ما يمنِّي النفس بالكتابة فيها، وأظن أن فكرة مُدارستها مع الشيخ بطريقة منهجية ثم طباعتها، ستسهم في تحريك بعض دوائر الركود في مثل بعض الموضوعات المفصلية التي يتقنها الشيخ، وذلك على طريقة كتاب (كيف نتعامل مع القرآن؟) بين الشيخ محمد الغزالي، والأستاذ محمد عبيد حسَنه.
كما أعتقد أن من مهام الجادِّين من الباحثين كتابة (فقه الشيخ القرضاوي) المنثور بين فتاواه في أجزائها الأربعة، وكتبه المستقلة في موضوعات فقهية بعينها، على غرار ما بُذِل وأُنتِج عن فقه سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز رحمه الله من مجموع فتاواه وبعض كتبه، وصدر فيما بعد في كتب، مثل: (آراء الإمام عبدالعزيز بن باز الفقهية) لياسين الحاشدي، و(اختيارات الشيخ ابن باز الفقهية) للدكتور خالد آل حامد.
«4»
رجل جَذْب وحُبْ: فبرغم قوة الشيخ الظاهرة في عدد من المواقف، إلا أنه رجل عواطف، بل ربما عواطف ذات عواصف!
فالشيخ حفظه الله إنسان سريع الدمعة، ظاهر الخشية، مشرق الروح، غني الإحساس.
إذاتحدَّث في الوجدانيات أشجى، وإذا استغرق في الروحانيات تولَّه، وإذا ذكرالدعوة ورجالها تألَّق.
فله مع الابتسامة الآسرة، والضحكات الأنيقة، مُلَح وجلسات، يؤنسك بها، ويغريك بإزاحة الهم، وفسْح مساحة للأمل.
إنك لتخرج بعد الحديث معه عن هموم الأمة وقضاياها من ضيق إلى سعة، ومن يأس إلى تفاؤل وبِشر!
يجذبك بسؤاله وتودُّده وإكرامه ولُطفه وحُنُوِّه، وكأنَّ شيئاً من أثقال اليوم لم يكن.
ما لقيته إلا وسألني عن أعمالي وآخر كتاباتي، وأحوال المشايخ في بلدي.
وإنْ سألته مبادلاً عن أعماله وكتاباته، شاركك همه وما يرغب بإنجازه، وأمنياته، ورغباته، فلا تشعر في حديثه لا بفارق العمر، ولا بفارق الحب!
في كل مرة تلقاه تجده كما هو، في حبه، وسؤاله، وسلامه، وابتسامه، وحتى مصافحته.
لايردُّ لكَ طلباً إن طلبتَ منه أن يُنشدَ، أو أن يتحفكَ بعذب قصيدة، وصوت حب، أليس هو من يقول:
يا حبيبي جُدْ بوصلٍ
دمتَ لي واجْمَع شتاتي
لا تعذبني كفاني
ما مضى من سنواتِ
بتُّ أشكو الوجْد منها
شارباً من عبراتي
إنك تعيش مع الشيخ في جلوسك معه حالة الوجد والجذب، ولن تفارقك أبداً وأنت تقرأ له، حتى ولو كنتَ بعيداً عنه.
اقرأ ما كتبه ويكتبه كلما فارق صديقاً له، أو حبيباً. اقرأ ثم اسكب في نفسك مقادير من الحب والسكينة والعطف والتحنان والود.
إنني لا أفارقه إلا وأحبُّ أن يسرع زمن العودة إليه، ولو للجلوس معه، والأنس بوده وحبه وجذبه، فهل على مثليَ لوم؟!
«5»
رجل موقف ومبدأ: إن الإمام العلاَّمة الشيخ يوسف القرضاوي ممن سخَّرهم الله تعالى؛ ليكونوا (صمام أمان الأمة).
صمام أمان.. فهو الذي أعاد للعلماء مكانتهم وهيبتهم في قول الحق، دون أن يخشى في الله لومة لائم، ودون أن يتلون حسب الأحوال وتقلبات الخريف بعد الربيع!
وصمام أمان.. يوم وسَّع على المسلمين أمور دينهم، وما جعلهم في حرج أمام شريعتهم، ولا العيش الطيب في عصرهم.
وصمام أمان.. يوم جاهر وواجه خطاب العنف، وفكَّك أفكاره، وأنار أمام العقول المغلقة، بشعلة البرهان والبيان الطريق للحائرين.
وصمام أمان.. بصوته، وفكره، وقلمه، ومؤسساته، وعالميته، حتى غدت الأمة في الملمات تنتظر صوته ورأيه المثبِّت للحق وأهله.
وبعد، فهذه كما قلت شذرات عن إمام معاصر، ادَّخر الله تعالى عمره الطويل؛ ليكون قدوة وشاهداً على سبيل أولي العلم والهدى.
زاده الله تعالى من نعيمه، وسدَّده في قوله وفِعْلِه وعمره، ونفع به الأمة، وجزاه في سبيل الحق والخير والجمال والدعوة أحسن ما جزى عباده المؤمنين، وأولياءه الصالحين، ورفعه كلما صبر وناضل ونفع واحتسب.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com