العلاَّمة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي: صمام أمان الأمة «1»

«1»
والدي رحمه الله شخصية مارست العمل السياسي في السفارات، وقبلها وأهم من هذه الممارسة، دراسته في المدارس السلفية، وتمسكه بها، ورعاية ما استطاع من العلماء والمفكرين من ذوي هذا التوجه، عندما كان مسؤولاً في عدد من السفارات في البلاد العربية، وقد وعى من الممارسة السياسية والمدرسة العلمية المزيد من التوازن والحكمة.
ورغم صداقته التي يفتخر بها، وينتمي لمدرسة أصحابها، من أصحاب الفقه والفكر السلفي (الداعين لمنهج السلف، لا السلفية السياسية أو المتسمية باسمها)، أقول: رغم ذلك، إلا أنه كان يعد وجود نماذج من أصحاب الفكر المعتدل، والتوسع في الفهم، والعمق في معرفة قضايا الأمة، مع التمكن العلمي، والأدب والمنهج، ممن يصون بهم المولى الأمة، أياً كانت مدرستهم الفقهية والدعوية، أمراً واجباً وضرورياً.
وسأله عمي يوماً في مجلس عائلي: من ترى يا شيخ حمزة أبرز علماء الأمة اليوم؟ فقال مباشرة: أرى الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ يوسف القرضاوي، وأن كلاً منهما مدرسة لا غِنى للأمة عن فهمهما، ودروس حياتهما. وقد صدق رحمه الله.
أما الشيخ الإمام عبدالعزيز بن باز، فقد سبق الحديث عنه في هذا الكتاب، وأما الشيخ الإمام يوسف القرضاوي، فهذا أوان الحديث عنه في شذرات لاتوفيه حقه، بقدر ما أسُدُّ شيئاً مما في نفسي تجاهه، وحقه في أن يكون في مصاف من أكتب عنهم في حياتهم.
الشيخ يوسف القرضاوي (إمام عصره)، وقد أغناني شيخنا العلامة عبدالله بن بيه في ترجمة هذا الوصف عنه، إبَّان كلمة ألقاها في حفل تكريم الشيخ القرضاوي في (إثنينية) الوجيه السعودي عبدالمقصود خوجه.
ومن كلمة الشيخ بن بيه عن الشيخ القرضاوي، قوله: «المحتفَى به الذي نكرمه الليلة ليس عالماً فقط، وإنما هو إمام.. من هو الإمام؟
الإمام هو المتقدم على غيره، والإمام هو المُقتدَى به، والإمام هو مَنْ يؤمُّه الناس من كل صوب؛ ليجدوا عنده ما يحتاجون إليه. بهذه الاعتبارات وبهذه المعايير نعتبر أخانا العلامة الإمام الشيخ يوسف القرضاوي من أئمة المسلمين، ولانزكيه على الله. والشيخ القرضاوي هو أيضاً فقيه بما في هذه الكلمة من معنى، فقيه عالِمٌ بالأحكام، فقيه مستنبط للأحكام، فقيه نفسي، وفقيه واقعي، وفقيه عملي. كل كتبه تشهد على ذلك».
كما أنني أرى عبارة الشيخ بن بيه عنه قد لخَّصت مشروع العلاَّمة القرضاوي في الفقه والفكر والسياسة، وذلك في قوله: «إن الشيخ القرضاوي ليس من الفقهاء الذين يكتفون بالعلاج النظري لقضايا الأمة الاجتماعية والاقتصادية، بل إنه رجل ميداني، ينزل إلى الميدان العملي والتطبيقي، فيسهم في إنشاء المراكز العلمية والجامعات والجمعيات الخيرية.
وخلاصة القول إن الشيخ العلاَّمة يوسف القرضاوي إمام من أئمة المسلمين في هذا العصر، وشيخ من شيوخ الإسلام في هذا الزمان.
قد توافقه فتقتنع بحجته وبرهانه، وقد تختلف معه فتحترم رأيه؛ لأنه رأي عالم تقي، لايصدر عن جهل ولا عن هوى، وهما شرطان لا غِنى عنهما لتكون للفتوى حرمتها، وللكلمة قيمتها.
وهذان الشرطان جمعهما فيما أحسب هذا الإمام».
وفي موضع نفيس آخر يقول الشيخ عبدالله بن بيه عنه: «الشيخ يوسف يقول بعض الناس عنه إنه يرخِّص ويوسِّع، وهذا دليل على فقهه، فهو إذا رخَّص ووسَّع يهيء الضوابط، وإذا ضيَّق وشدَّد يُهيء المخارج».
لقد وددتُ نقل هذه الكلمات عنه؛ لدقتها ونفاستها وصواب وصفها فيما أعتقد، وإلا ففي ذهني ونفسي ما سأقول بعضه، وما سيوفق الله تعالى لقول أكثره في وقت آخر.
ولئن رأى البعض فيما سأقول غُلُوَّاً في وصف منهجية الشيخ العلمية والفكرية التي غيَّر بها فكر الكثير من أقرانه العلماء والدعاة، فضلاً عن عموم التلامذة والمتابعين في كل قارات الدنيا، فهو مما يسوَّغ طالما كان منضبطاً، مستعيرين كلمات شوقي:
قيلَ غالٍ في الرأي، قلتُ: هَبوهُ
قد يكونُ الغلوُّ شيئاً أصيلا
وقديماً بنى الغُلوُّ نفوساً
وقديماً بنى الغلو عقولا
وكم استنهضَ الشيوخ وأذكى
في الشباب الطِّماح والتأميلا
إنني لا أظن أن عالماً معاصراً بعد الإمام حسن البنا كُتبت عنه رسائل علمية عالمية (ماجستير، دكتوراه)، بقدر ما كُتب عن الشيخ القرضاوي. كما لا أظن أنه قد كتب في فكر أحد ومنهجيته مثلما كُتب عنه، وهو في كل ذلك يستحق الإشادة وأكثرولانزكيه على الله. ولعل موسوعة (يوسف القرضاوي.. كلمات في تكريمه وبحوث في فكره وفقهه)، والجمع المبارك الذي شارك فيها، والكتابة التي صيغت من علماء الأمة ومفكريها ومثقفيها عنه، لتدلُّ على مكانة الرجل، وعلو كعبه، وحجم دوره في فكر الأمة وترسيخ هويتها.
«2»
إن مما فتح الله سبحانه وتعالى به على الشيخ القرضاوي، أموراً نادرة، ومواهب فريدة، وخصائص جليلة، يمكن الإشادة ببعضها، ومنها:
1- رجل تاريخ ومرحلة: فالشيخ حفظه الله عاش عمره المديد، منذ ريعان شبابه في الدعوة، تعلماً وتعليماً. وعاصر مرحلة تكوين الحركة الإسلامية، وما أعقبها من الصحوة الإسلامية، ثم تحولات الأمة، وما صاحب ذلك من تغيرات وتجديدات. عاش ذلك وهو بكامل وعيه، وناضج فكره، وتمام فقهه، وجميل سيرته. ترْقُب ذلك في خطِّ خطبه الأولى، وقصائده ومسرحياته في بدايات عرْضِها، وكتبه في أوائل نشرها؛ ومشروعاته ومؤسساته منذ إعلانها، لترى الموازين الغالبة وثبوتها منهجاً، وتطورها فناً.
ففي الفقه: العمق، والبحث عن الأدلة، والمقاصد، والاجتهاد.
وفي الفكر: الشمولية، والسعة، والربط بالسيرة، والتمحور حولها.
وفي الدعوة: البناء والتكامل، والنقد الهادف، ورسم السياسات والأولويات، والاستقلالية.
وفي السياسة: الوضوح، والحكمة، والحق.
وفي المشروعات: المبادرة، والمَأْسَسَة، والإنتاج، والعَصْرنَة.
وفي كل مجال ما يمكن رصده بعمق وتحليل.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com