الغوطة الشرقية.. حيث تحولت «جنة الأرض» إلى جهنم..!

بينما تواصل بعض الأطراف في تركيا توجيه دعواتها للحكومة لعقد لقاء مع الأسد والتباحث مع وفوده بخصوص سوريا، يستمر نظام الأسد هجماته الوحشية على الغوطة الشرقية بدمشق والتي وصفها الجغرافيون العرب القدامى في كتبهم بـ(جنة الأرض).
فكيف يمكن لأهالي الغوطة وحلب وإدلب، باختصار الشعب السوري، التعايش مع قاتله؟ هل يختلف هذا الأمر في شيء عن دفع المظلوم والمعتدى عليه للزواج من المغتصب؟
كيف يمكن لمحمد خربوطل ذي الـ70 عاماً، صديقي وطالبي السابق في مركز تعليم اللغة التركية، أن يعيش مع الأسد مجدداً، وهو الذي اضطُر للجوء إلى المملكة العربية السعودية خالي اليدين، بعدما كان من الأثرياء في بلاده في السابق.
وتجري كل هذه الجرائم أمام أنظار العالم، وفوق كل ذلك تتم في المنطقة التي تُعتبَر تحت مراقبة روسيا بموجب اتفاقية مناطق خفْض التصعيد التي تم التوصل إليها في مباحثات أسِتانة.
وأمام كل هذه التطورات، نرى بعض الأطراف التي أقامت الدنيا ولم تقعدها نتيجة افتراءاتها التي تدَّعي أن الجيش التركي يقتل المدنيين في عفرين، تغُضُّ البصر من الجهة الثانية وتأخذ وضعية القردة الثلاثة (لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم) عندما يتعلق الأمر بروسيا والنظام السوري والولايات المتحدة الأميركية، تماماً كما فعلوا إزاء الجرائم في البوسنة والعراق، فالطفل المقتول عندما يكون مسلماً لايحمل أي قيمة بالنسبة لهم.
ومن المرجَّح أن الأمين العام للأمم المتحدة، المسكين والعاجز، ألمح دون قصد لوصف الغوطة الشرقية بـ(جنة الأرض)، عندما قال إن المحاصَرين وسط القصف في المنطقة «يعيشون في جهنم الأرض».
ومن جهة مقابلة، يشير المحاصَرون في الغوطة إلى أنهم باتوا ينتظرون الموت، حيث إنهم حتى ولو سلِموا من هجمات النظام فإنهم سيموتون نتيجة الجوع والأمراض، إذ يستهدف النظام المشافي على وجه خاص، تماماً كما فعل سابقاً في حلب وإدلب وسط صمت تام من المجتمع الدولي (المتحضر).
تتشكل الغوطة من سهول تحيط بالعاصمة دمشق من ثلاث جهات، باستثناء الشمال حيث جبل قاسيون، وتشتهر على مر العصور ببساتينها الخضراء الواسعة، وتعتبر أراضيها من أخصب الأراضي الزراعية حول العالم.
ويصف الجغرافيون العرب القدامى المنطقة بأنها من أروع الأماكن حول العالم، إذ تشتهر بأنهارها وأشجار الفاكهة وبساتينها وقصورها الفخمة التابعة لأثرياء دمشق.
ومع الزمن شهدت الغوطة تحولاً عمرانياً مدنياً بشكل كبير، ومع ذلك بقيت منطقة التَّنَزُّه الأولى بالنسبة لأهالي دمشق في أيام الربيع، قبيل اندلاع شرارة الثورة بالبلاد.
ويمر نهر بردى وفروعه من الغوطة حيث يقسمها إلى قسمين، غربية وشرقية، إذ تضم الغوطة الشرقية ضواحي مهمة مثل برزة، ودوما، وعرْبين، وجرمانا، وكفر بطنا، وحرستا.
وتشير التوقعات إلى أن عدد سكان الغوطة الشرقية كانوا حوالي 400 ألف قبل الحرب، بعدما كان قرابة 50 ألفاً في نهايات الدولة العثمانية، ونتيجة مغادرة حوالي ربع السكان من المنطقة بعد الحرب، بقي اليوم حوالي 300 ألف.
وتتضمن الغوطة الكثير من الآثار التاريخية، إلى جانب عدد كبير من أضرحة الصحابة رضوان الله عليهم، كما كانت من أحب المناطق إلى قلب محرر القدس، القائد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله.
وتعتبر الغوطة الشرقية من أهم مراكز معارضي النظام السوري مع بدء الاحتجاجات في البلاد عام 2011، كما تتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة لقربها من العاصمة دمشق.
ومنذ أبريل 2013، تفرض قوات النظام السوري حصاراً خانقاً على الغوطة الشرقية، حيث تواصل غاراتها الجوية واستهدافها بالمدافع الثقيلة على المنطقة من جهة، وتعيق وصول المساعدات الإنسانية إليها بشكل كبير، من جهة ثانية.
ويرتبط المحاصَرون في الغوطة الشرقية مع العالم الخارجي من خلال طريقتين فقط، أولاهما حاجز الوافدين في دوما، الذي يفصل بين قوات النظام السوري وعناصر جيش الإسلام، وثانيهما الأنفاق تحت الأرض بين ضواحي دمشق، والتي أغلق النظام السوري الكثير منها في الفترات الأخيرة.
ومنذ سبتمبر من العام الماضي، زاد النظام السوري من تشديد الخناق أمام وصول مساعدات المنظمات الدولية إلى الغوطة، مقابل السماح لها بالدخول مرة واحدة في كل من نوفمبر وديسمبر الماضيين.
ونتيجة للحصار الخانق ارتفعت أسعار المواد الغذائية في المنطقة بشكل كبير مقارنة مع دمشق، وهو ما يجعل الأهالي يكتفون بوجبة واحدة من الطعام يومياً، حيث يعاني 300 ألف شخص من فقدان المواد الأساسية وعلى رأسها الخبز والأرز، وهو ما يجعل المنطقة تشهد الكثير من وفيات الأطفال بسبب سوء التغذية، واستمرار حالات الوفاة لعدم إمكانية خروج المرضى من المنطقة.
وتتعرض الغوطة الشرقية منذ زمن طويل لهجمات النظام السوري بالبراميل والقنابل العنقودية والأسلحة الكيماوية، وحسب الأمم المتحدة، فإن ستة مشافي تعرضت للدمار، كما تعاني المنطقة من فقدان الأدوية والغذائيات الأساسية بسبب الحصار الطويل.
وتطبق قوات الأسد بهذا الحصار طريقة تعود للعصور الوسطى، إذ تطرح خيارين فقط أمام الشعب في الغوطة، إما استسلام كافة المقاتلين في المنطقة، أو موت جميع الأهالي نتيجة القصف أو الجوع أو المرض، وفوق كل هذا يجري ذلك أمام أنظار المجتمع الدولي العصري و(المتحضر).

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com