القدس في عمق العروبة

يمتد تاريخ العرب في القدس لستة آلاف سنة، فهم من أنشأها وسكنها سنوات طويلة، وقد تجذرت عروبة المدينة مع الفتح الإسلامي على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام 15 للهجرة، ولم يستطع محتلُّوها من الفرنجة تغيير هويتها العربية، فعادت المدينة بعد تحريرها على يد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله مدينة عربية بوجهها الإسلامي والمسيحي. وستبقى المدينة عربية على الرغم من حملات التهويد المستعرة التي يقوم بها الاحتلال (الإسرائيلي)، ويحاول تغيير وجه المدينة وتثبيت روايته المكذوبة فيها.
لقد بنى اليَبُوسِيُّون مدينة القدس في حدود الألف الثالث قبل الميلاد، وهم بطنٌ من بطون الكنعانيين العرب، نُسِبوا إلى جدهم (يبوس). وقد سكن الكنعانيون أرض فلسطين منذ الألف الرابع قبل الميلاد. وتُشير الروايات التاريخية إلى أن الكنعايين من عرب العمالقة، هاجروا من الجزيرة العربية تحت وطأة القحط وقلة الموارد، وسكنوا أرض فلسطين، وبنوا بعدها مدينة القدس.
ولقد أطلق اليبوسيون على مدينة القدس اسم (يبوس). وفي عهد الملك اليبوسي (ملكي صادق) أطلق على المدينة اسم (أور سالم) نسبة لإله السلام عند اليبوسيين. وفي عهد هذا الملك العربي، بدأت المدينة بالتوسع، وتطورت أهميتها ومكانتها، وقد قدَّسها اليبوسيون قبل مجيء العبرانيين إليها بزمن طويلٍ جدًا، وجعلوا في المدينة بيتًا لـ(إلههم) الأكبر. ويرى عددٌ من المؤرخين أن اسم المدينة في العبرانية (أورشليم)، وهو تحريف لاسمها اليبوسي. وقد ورد اسم (أور سالم) أو (شالم) في عددٍ من النقوشات الفرعونية، قبل دخول العبرانيين لفلسطين بزمنٍ طويل جدًا.
واهتم اليبوسيون بالمدينة، واكتسبت من خلال موقعها المميز في بلاد الشام، وموقعها المرتفع عن سطح البحر والمطل على المدن والقرى حولها، مكانة استراتيجية، وأصبحت من مدن القوافل والتجارة، ومحطة أساسية في الحركة التجارية خلال تلك الفترة، وهي ميزة إلى جانب موقعها المحصَّن دفعت نحو مزيد من تطور المدينة، وموقعها الحضاري المميز عند الكنعايين.
وكان الوجود العبراني في المدينة وجودًا طارئًا، وكان اتصالهم الأول مع القدس مع بداية الألف الأول قبل الميلاد، فقد دخل عدد من العبرانيين مع ملكهم (يوشع) إلى فلسطين في عام 1150 ق.م. وتذكر التوراة بأنهم غرباء عن المدينة، فهي مدينة خالية من بني إسرائيل. وبعد هذا الدخول بدأت محاولات العبرانيين الدخول للقدس، ولم يفلحوا في مُلكِها إلا في عهد سيدنا داود عليه السلام عام 996 ق.م، وبقيت تحت سلطة العبرانيين حتى إزالة الملك البابلي نَبُوْخَذْ نَصَّر لمملكة يهوذا في عام 586 ق.م.
ويذكر المؤرخون أن احتلال العبرانيين للقدس لم يُلغِ الوجود الكنعاني العربي، بل حافظ الكنعانيون على وجودهم وكيانهم فيها، وقد تأثر العبرانيون بحضارة الكنعانيين العرب، فأخذوا عنهم العادات والتقاليد، وتأثروا كذلك باللغة واللهجات، وهو ما يؤكد التفوق الحضاري للعرب حينها، ففي العمارة على سبيل المثال تأثر العبرانيون بشكلٍ كبير بالعمارة الكنعانية، ففي تتبع لأوصاف (المعبد) الذي يزعمون بأن سليمان عليه السلام أقامه في القدس وترويها التوراه، تتشابه هذه الأوصاف مع المعابد الكنعانية التي بنيت منذ الألف الثالث قبل الميلاد، من حيث تقسيم الغرف ومكان تقديم القرابين والمساحة الإجمالية، مع مبالغاتٍ شديدة أوردتها التوراه في العظمة والأبهة، والذهب المستخدم وغيرها.
ومنذ سقوط مملكة يهوذا، تقلبت المدينة من حكم الإسكندر المقدوني، ومن ثم إلى البطالمة، حتى استولى عليها الرومان عام 66م، وهي فترات لم يكن الحكم خلالها للعرب، بل بقي العرب الكنعانيون عنصرًا أساسيًا من السكان، إن لم يكن العنصر الأكبر. وخلال الحكم الروماني للمدينة ثار من بقي فيها من اليهود على الرومان، فقام (طيطس) بالقضاء عليهم، وفي عام 135م أمر الإمبراطور (أدريانوس) بهدم المدينة وأخرج اليهود منها، وحرَّم عليهم دخول المدينة بتاتًا، وأعاد الرومان بناءها، وأطلق عليها الإمبراطور اسم (إيليا) العظمى، وهو الاسم الذي تردد في عددٍ من المصادر العربية فيما بعد.
ويؤكد هذا الاستعراض التاريخي، بأن اليهود لم يكن وجودهم في القدس إلا وجودًا طارئًا ولايمت بصلة لتأسيس المدينة، ولم يظل حكمهم للمدينة لأكثر من قرنين أو ثلاثة على أكثر تقدير، ثم دخلوا في نزاعات شتَّت مُلْكهم وكسرت شوكتهم. وتؤكد هذه المعطيات بأن المكانة السياسية للقدس كانت خلال الحكم العربي لها، ومع احتلالها من قِبَل دول مختلفة ضعفت هذه المكانة، وتراجع تأثيرها، حتى جاء الفتح العربي الإسلامي للقدس.
وقد تمتعت مدينة القدس بمكانة مهمة في وجدان العرب المسلمين، وتضافرت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تُظهِر مكانة المدينة وتؤكد على قدسيتها، في ترابط وطيد مع الأماكن المقدسة الأخرى، فهي تحتضن المسجد الأقصى المبارك الذي كان مسرى النبي، ومنها معراجه إلى السماوات العُلى، والأقصى أول قِبلة للمسلمين، وثالث المساجد التي لاتُشَدُّ الرِّحال إلا إليها. وقد حبَّب النبي أصحابه في زيارة القدس والصلاة في مسجدها، وعلى إهدائها ولو زيتًا يُسرَج في قناديل الأقصى المبارك، وقد أطلق المسلمون على المدينة اسم (بيت المقدس)، واشتُقَّ الاسم من الطهارة والبركة والقُدْسِية، فبيت المقدس هو المكان الذي يُتَطَهَّر فيه من الذنوب، وتصبو إليه القلوب.
ومع انطلاق الفتوحات الإسلامية، توجهت الجيوش العربية المسلمة لفتح مدن بلاد الشام، وعلى رأسها مدينة القدس، وقد بلغت أهمية المدينة أنها المدينة الوحيدة التي يأتي خليفة المسلمين ليتسلم مفاتيحها، إذ قدِم الخليفة عمر بن الخطاب من المدينة المنورة إلى القدس، ليتسلم مفاتيح المدينة في عام 15هـ/ 636م، واستقبله بطريريك المدينة (صفرو نيوس)، ومعه كبار أساقفة القدس. ويسجِّل التاريخ أعظم عهد يظهر فيه التسامح والتعايش بين المسلمين والمسيحيين، وقد أمَّن عمر أهل القدس من المسيحيين في (العهدة العُمَرية) على كنائسهم وصُلبانهم، وتعهَّد لهم بأن كنائسهم لاتُسكن ولاتُهدم، ولايُكرَهون على دينهم. وقد بلغ من احترام عمر للمسيحيين في القدس أنه رفض الصلاة في كنيسة القيامة، لكي لاتُتَّخذ من بعد عمر مصلَّى، وأدى صلاته قرب باب الخليل، في الموضع الذي يُعرَف حتى اليوم بمسجد عمر بن الخطاب.
ولقد نعِمت القدس تحت الحكم العربي المسلم بالأمن والأمان، وعاش أتباع مختلف الأديان والطوائف في تجانس تامٍ طيلة فترات حكمهم للمدينة، ولم تشهد القرون المتتابعة أية مخالفة للعُهدة العمرية، سوى بعض الاستثناءات التي تحصل في كل زمن، إلى أن احتل الفرنجة القدس عام 492هـ/ 1099م، وأسسوا مملكة لاتينية ظلت نحو 88 عامًا، قام خلالها الفرنجة بالقضاء على آلاف المسلمين والمسيحيين العرب ودفعهم نحو الخروج من القدس، كما قاموا بتدنيس المسجد الأقصى، وحوَّلوا بعض مساجده لاسطبلات لخيولهم، وهي الفترة الوحيدة من تاريخ المدينة التي عانت خلالها من مشاكل دينية، استجلبها الفرنجة معهم، في خلاف حضاري واضح مع الحضارة العربية الإسلامية.
ومنذ التحرير الصلاحي للمدينة في 583هـ/ 1187م، عادت المدينة لتكتسب وجهها العربي، وعاد العرب ليسكنوا فيها، ولم يغيِِّر حكامها من الأيوبيين أو المماليك أو العثمانيين هويتها، أو يتدخلوا في تركيبة سكانها، بل نعِم جميع سكانها من عرب ولاتين وأرمن، ومسلمين ومسحيين ويهود، بالحرية الدينية الكاملة، حتى احتلال المدينة على يد الاستعمار البريطاني عام 1917، الذي مهَّد الطريق للاحتلال الصهيوني للمدينة، ومنذ ذلك الوقت بدأ الوجود العربي الفلسطيني في المدينة يعاني من الاستهداف، فتناقص عدد المسييحيين بشكلٍ خطير جدًا، وعمل الاحتلال على طرد سكانها، في إبادة عرقية صامتة، تتسق مع تغيير وجه المدينة، وتغيير معالمها ومحاولة تشويه تاريخها الضارب في القِدم، ولكن هوية القدس العربية والإسلامية ستبقى أقوى من محاولات تهويدها، وسيظل أهلها المرابطون الصامدون بعون الله تعالى شوكة في وجه الاحتلال.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com