المسجد الأقصى: 47 عاماً والخطر يسبق الإدراك

رغم مرور مايقارب من قرنٍ على وقوع المسجد الأقصى في قلب خطرٍ وجودي يهدده، ورغم مكانته الإسلامية العابرة لحدود العالم، إلا أن فشلاً خطيراً وقع في فهم طبيعته وتعريفه كمكان مقدَّس، وفي فهم الخطر المحدق به بالتالي، ولا عجب، فهذا ليس إلا تجلٍّ لفشل أكثر وضوحاً في الحفاظ على المسجد تحت سيادةٍ عربية إسلامية وحمايته من الوقوع في يد الاحتلال الخارجي.
على مدى عقودٍ من الزمن كانت صورة قبة الصخرة مساوية تماماً للمسجد الأقصى في عقول جماهير الفلسطينيين والعرب والمسلمين، حتى جاءت حملة (تصحيحية) في منتصف تسعينيات القرن العشرين لتقول إن المسجد الأقصى ليس هذه القبة الذهبية، إنما هو ذاك المبنى ذو القبة الرصاصية في صدر المسجد باتجاه قبلته، وحلّت صورة مبنى المسجد القبلي ذو الأروقة السبعة الذي تعلوه قبة رصاصية مكان صورة قبة الصخرة في الجداريات والشعارات والمظاهرات.
بقي تعريف المسجد الأقصى في الحالتين يركِّز على كونه بناءً، بل إنه خلال هذا التصحيح نُفِي عن قبة الصخرة كونها مقدّسةً أصلاً، وجاء المنطق الافتراضي الذي عملت على أساسه النُّخَب الشرعية والسياسية بمجملها ليقول إن الخطر على هذا المسجد هو الهدم، فالخوف من الهدم ليس إلا نتيجة طبيعية للاعتقاد بأن هذا المقدّس هو مبنىً بشكلٍ من الأشكال، وليس انعكاساً لأية دراسة موضوعية لحقيقة الرؤية الصهيونية للمسجد والأخطار المحدقة به، بل تقدَّم هذا المنطق الافتراضي خطوة عند البعض ليدّعي بأن الصهاينة هم من نشروا الاهتمام بقبة الصخرة على حساب ما اعتبره المسجد الأقصى دون أن يكلّف نفسه أن يسند ادّعاءه هذا بدليلٍ واحد.
تجاهل هذا التعريف وجود سورٍ للمسجد يحيط بمساحة تبلغ 144 ألف مترٍ مربع يضمها في وحدة معماريةٍ واحدة متماسكة، وتجاهل أن الأبواب المؤدية للمسجد تقع في هذا السور، وتجاهل أن المآذن الأربع للمسجد تقع على أسواره هذه، ولايقع أي منها في وسط ساحاته أو فوق جسم قبة الصخرة أو فوق جسم المسجد القبلي، فهي مخصصة لدعوة من هو في خارج المسجد إلى داخله للصلاة. ويقول لنا بانيها بالتالي أن كل من دخل هذه الأسوار هو داخل المسجد، وتجاهل كذلك حقيقة كون قبة الصخرة منفردةً في وسطه دون أن تلحق بها أروقة عرضية للصلاة، فكأنما أراد بانيها أن يجعلها قبةً للمسجد بأسره، لتلك التلة المسوَّرة بأسرها.
كما تجاهل هذا الفهم فكرة غياب المطاهر والحمامات عن المساحة المسورة بأسرها، وهو ما يخبر بفهمٍ واضح للمعماريين المسلمين بأن هذه المساحة هي مقدسة بأسرها وليست محلاً لبناء أي حمامٍ أو مطهرة على اتساع حجمها. وتجاهل هذا الفهم المغلوط كذلك الأقوال الواضحة من علماء الإسلام الذين دخلوا المسجد وأكدوا على مفهومه كابن تيمية ومجير الدين العليمي بأن كل ما في هذا السور هو الأقصى، فهو في الأصل مكان رُفِعت فيه بعض الأبنية تجلياً وتعبيراً عن تقديس الأمة له، وقد تفاوتت تلك المساحة المبنية من عهدٍ إلى عهد، حتى بلغت 15 رَواقاً في جهة القبلة في العهد الأموي على امتداد السور الجنوبي بأكمله تقريباً، وبلغت ثلاثة أروقة غربية على طول السور الغربي كاملاً ورَواقين عرضيين على عرض المسجد كاملاً خلال العهد العباسي، وهذا التفاوت في الأحجام زيادةً ونقصاناً يدل أن هذه المساحة كلها بنظر الباني متساوية في القداسة، إلا أن ما كان يختلف هو القدرة على سقفها بأروقةٍ مبنية.
في المقابل، كانت المجسمات والمصوَّرات التي تعدها الجماعات الصهيونية الدينية القومية تسير في نهجٍ أكثر وضوحاً وإدراكاً بكل أسف، فأعدت مجسَّماً للمعبد المزعوم أظهر سوراً في مكان السور الحالي تلتصق به أروقة مبنية ويتوسطه بناء مركزي مكان قبة الصخرة، وعرض هذا المجسم في فندق (الأرض المقدسة) قبل أن يُنقل إلى متحف يحمل اسم (إسرائيل) في عام 2006.
كانت المخيلة الصهيونية تُجري عملية إحلال إجمالية فتزيل المسجد بكامل مساحته ومبانيه وتقيم المعبد في الأذهان في مكانه، بينما كانت الأمة الإسلامية تستميت في الدفاع عن بناءٍ واحدٍ بعينه خوفاً من هدمه، فكان الخطر على الأقصى سابقاً للإدراك الإسلامي له ومايزال.
جاءت الخطوات العملية القضائية الصهيونية عام 2003 لتسمح ليهود باقتحام المسجد ولتُلزِم الشرطة بحمايتهم، ولتمنحهم في عام 2005 مكنة الاقتحام الجماعي «في غير وقت صلاة المسلمين» مستبطنة فكرة التقسيم الزماني. وجاءت مسودة مخطط القدس العمراني 2020 الذي نشرته لجان التخطيط الصهيونية عام 2004 لتضم خارطة اعتبرت فيها المقدسات الإسلامية مقتصرةً على المسجد القبلي وقبة الصخرة، بينما اعتبرت سائر الصحن غير المسقوف للمسجد مجرد مساحةٍ ذات أهميةٍ سياحية؛ لتعلن صراحة أن الدوائر الصهيونية الرسمية والاستيطانية الأهلية باتت تضع صحن المسجد غير المسقوف – ما اصطلح على تسميته بالساحات إعلامياً – نصب عينيها، وهو الذي يشكل أكثر من تسعة أعشار هذا المسجد، بينما تضع الدوائر الإسلامية جل جهدها في استباق خطر الهدم الافتراضي للمسجد القبلي، وهو الذي يشكل أقل من عُشْر مساحة المسجد.
اليوم ومع مرور 47 عاماً على ذكرى إحراق المسجد الأقصى، لايزال الخطر الأكبر المحدق بالأقصى هو تأخر الوعي العربي والإسلامي عن إدراك ماهيته كمكان إسلامي مقدّس، وتأخره بالتالي عن إدراك التهديدات المحدقة به. ويبقى الوضع المختل الذي تسبق فيه التهديدات إدراك المدافعين مستمراً لينذر بمزيدٍ من التراجع والتهاوي ما لم تبادر نُخَب العاملين والمهتمين إلى تصحيح فهم حقيقة المسجد، وفهم الخطر القريب المحدق به وهو التقسيم، على طريق الخطر الأبعد والأعمق وهو الإحلال وليس مجرَّد الهدم، وترجمة ذلك إلى فعلٍ منهجي يضع نصب عينيه حماية كامل مساحة المسجد وليس التحذير من هدم بناءٍ بعينه.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com