الموارد البشرية بين الماضي وتطلعات المستقبل

ظلت بعض وسائل الإعلام في كثير من دول العالم تصور دور موظف الموارد البشرية وشؤون الموظفين بالشرطي أو الرقيب على عمل الموظفين والسيف المسلَّط على رقابهم، مستخدماً اللوائح والأنظمة والقوانين في ذلك، وأحياناً يصوَّر بالشخصية الجامدة التي لاتحركها المشاعر والأحاسيس، والتي تطبق الإجراءات بحذافيرها، دون الرضوخ لأية اعتبارات إنسانية.
ونلحظ هذا الدور في المسلسل الأميركي المكتب (The Office) الذي مثل فيه الممثل (توبي فلندرسون) دور موظف الموارد البشرية الذي يُذَكِّر الموظفين مراراً بضرورة التقيد باللوائح والإجراءات. كما مثلت الممثلة الأميركية (ديلبرت) العديد من الأدوار التي جسَّدت فيها شخصيات مختلفة لموظف الموارد البشرية الذى يتسم بالنَّزعة الانتقامية والسادية تجاه الموظفين.
وفى الإعلام العربي ظهرت الصورة أكثر قتامة لموظف الموارد البشرية؛ لغياب الهيكلية والرقابة التنظيمية، فظهر دوره كدكتاتور وشخص انتهازي لديه استعداد فطرى لتسخير اللوائح والقوانين لمصلحته وتحقيق مآربه بلا أدنى شعور بالذنب، وله كذلك قدرة مطَّاطية على التَّلَوُّن بكل ألوان الطيف، فضلاً عن أنه طائع أعمى لقرارات الإدارة.
ولقد ترسخت هذه الصورة النمطية في كثير من أذهان المشاهدين، إلا أن الواقع الحالي يعكس غير ذلك، فقد عمدت كثير من الدول إلى سن قوانين عمل واضحة تحدد العلاقة بين العمال وصاحب العمل، كما أوجدت هيئات رقابية لذلك. ومنذ قيام الثورة الصناعية في أوروبا خلال القرن الثامن عشر وظهور شريحة العمال، فإن التشريعات العمَّالية فى تطور مستمر. وفى بعض الدول يكون المرتكَز الأساسي لقوانين العمل قوانين حقوق الإنسان المنصوص عليها في دساتير الأمم المتحدة، حتى إن المسميات بدأت تتغير من العمال إلى رأس المال البشري، إلى الزاد البشري.
ولقد تغير مفهوم الموارد البشرية خلال القرن التاسع عشر من دور الرقيب والشرطي إلى دور تحسين الإنتاجية وتحقيق الميزة التنافسية، عبر تدريب الموظفين وزيادة مهاراتهم، في ظل التطور التكنلوجي؛ لذا برز التدريب والتطوير كركن أساسي من أركان الموارد البشرية. كما أسهمت فى تحسين شروط العمل وتحديد ساعات العمل والإجازات السنوية، وإدخال نظام التأمين الصحي والسياسات المحفِّزة للنجاح، والمزايا التعويضية، وتحديد سُلَّم الرواتب والأجور، ونظام الحوافز السنوية والعلاوات الشهرية، ونظام التقاعد والضمان الاجتماعي، وتحسين وضع المرأة في السُّلَّم المهني.
كما ظهرت التخصصية الاحترافية في هذا المجال، فجمعية إدارة الموارد البشرية (SHRM) الأميركية – على سبيل المثال – تكرس جهودها للنهوض بالموارد البشرية. كما برزت كثير من الشهادات المهنية والجامعات المهتمة بتقديم برامج دراسية متخصصة في الشهادات الاحترافية عن الموارد البشرية.
إن رضا الموظفين عن بيئة العمل من أهم أسباب نجاح الشركات وجهات العمل في العموم، وتنعكس على كفاءتهم وأدائهم وولائهم لها، والشعور بالسعادة والاستمتاع بالأعمال الموكلة إليهم، مما يؤدي إلى زيادة الإنتاجية.
فالموظف الراضي عن وظيفته أو مهنته يُقبِل عليها في همة ونشاط، أما عدم الرضا عن المهنة فينتج عنه سوء التكيُّف، والتذمر والانفعال، ويُبدي الكثير من مظاهر الضجر والملل والاستياء والإحباط.
إن من أولويات الموارد البشرية تهيئة البيئة المناسبة للموظف، والانتقال به من أجير إلى شريك باتِّباع الإجراءات الحديثة في التوظيف والتدريب، ووضع سُلَّم للرواتب والأجور، واعتماد سياسات وإجراءات واضحة تنعكس نفعاً على الموظف والمؤسسة.

* اختصاصي موارد بشرية

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com