النكبة 1948.. التطهير العِرْقي

حينما نرصد ما خسره الفلسطيني طوال سبعين عاماً مضت نجد أنه أيضاً لم يحدث في تاريخ الإنسانية أن يُسرَق وطن ويُقتلَع مواطن من أرضه وبيته وكرمه ويُستولًى على مقدراته ويُغتال بدم بارد في مجازر وحشية يندى لها الجبين كما حصل في مذبحة دير ياسين في أبريل 1948 ومذبحة اللد في يوليو 1948 وغيرها من معارك التطهير العرقي الذي ارتكبها (جيش) الهاغاناه الذي كان نواة لـ(جيش) الاحتلال الصهيوني الذي جعل جماعات من الشعب الفلسطيني وتحت أخبار فظاعاته في القتل الجماعي يتركون بيوتهم وأراضيهم في نزوح كبير داخل حدود الوطن وخارجه.
هذا الحدث الجلل والنزوح سُمِّي النكبة (أو التطهير العِرْقي) والذي اعترف به عدد من المؤرخين الأجانب واليهود مثل آلان بابيه الذي ألَّف كتاباً سماه (التطهير العرقي Ethnic Cleansing) وتمت ترجمته للعربية، فقد جرى تهجير 85% من الفلسطينيين من أرض فلسطين التي أصبحت تسمى (إسرائيل)، وقد أثارت مسألة قيام السلطات اليهودية بطرد الفلسطينيين وفق خطة مسبقة جدلاً حاداً بين المُنَظِّرين والمؤرخين للصراع العربي الصهيوني، إذ تبين فيما بعد أن السلطات الصهيونية أصدرت أوامر عسكرية مدروسة لطرد الفلسطينيين بموجب خطة للتطهير العِرْقي، وأن بعض عمليات الطرد كان مخطَّطاً لها، وأن هناك شخصيات صهيونية متعددة حتى قبل اندلاع القتال عام 1948 وضعوا تعبير (ترحيل) للتخفيف من تعبير طرد الفلسطينيين خارج البلد، ومن هذه الشخصيات يوسف فايتس وهو صهيوني روسي عمل منذ سنة 1946 على فكرة ترحيل الفلسطينيين قبل الاحتلال، ووضع أفكاراً لذلك منها أنه “لايوجد مكان لشعبين فوق هذه الأرض”، وعندما اندلعت حرب 1948 اعتقد فايتس أنها الفرصة الذهبية لترويع الفلسطينيين وجعْلِهم يفرون من أرضهم وبيوتهم ومن ثم تصادَر أملاكهم.
إن خسارة اللاجئين أملاكهم جسَّدت تحديداً الكارثة السياسية والاجتماعية والديمغرافية الهائلة التي حلت بالفلسطينيين، إذ تعد خسارة الأراضي الزراعية خسارة مدمرة. فقد بلغ مجموع مَن رُحِّل من فلسطين في العام 1948 بعد أن طردتهم القوات الصهيونية من بيوتهم وقراهم 726 ألف عربي فلسطيني، ويعادل هذا الرقم في حينه نصف عدد سكان فلسطين.
ولما كان سكان فلسطين ميسوري الحال فقد خلَّفوا وراءهم منازل فخمة وأثاثاً ثميناً وسلعاً استهلاكية وحوانيت ومصانع وغيرها من الأملاك التجارية، هذا غير الأرصدة المالية المودعة في صناديق في البنوك. وكذلك ترك آخرون بساتين حمضيات واسعة مشجَّرة ومجهَّزة بأنابيب مياه. إذ كان الأغلب منهم عندما تركوها يعتقدون أن الرحيل ليس سوى ابتعاد مؤقت عن منطقة الحرب بعد تعرُّض السكان لهجمات الهاغاناه وهي المليشيا الرسمية للحركة الصهيونية والتي تدربت على يد الجيش البريطاني وشاركت معه في قمع الشعب الفلسطيني في هَبِّة البراق وثورة 1936.
وأدت الحرب كذلك إلى نزوح 30 ألف عربي لبناني وسوري وعراقي كانوا يقيمون في فلسطين مخلِّفين وراءهم كثيراً من الأموال المنقولة وغير المنقولة، التي لم تحدَّد أية مستندات أو أية وثائق تدل على قيمتها.
وقبل أن ينتهي الانتداب بدأ تنفيذ تلك الخطة، وفي 15/5/1948 احتل الصهاينة 200 قرية فلسطينية وطردوا أهلها الذين بلغ عددهم نصف لاجئي النكبة، ولم تسمح القوات الصهيونية بالعودة للاجئين، بل سرعان ما صادرت أملاكه، قبل أن تندلع الحرب وقبل أن يدخل أي جندي نظامي عربي لإنقاذ الفلسطينيين، وبدأ القتال الشامل بين الجيوش العربية و(الجيش الإسرائيلي) في أواسط مايو 1948 واستمر حتى توقيع الهدنة سنة 1949، وعندها نزح ما مجموعه 750 ألفاً إلى لبنان وسورية والأردن والضفة الغربية وغزة ومصر والعراق، وكان نزوح سكان المدن الفلسطينيين من الطبقتين الثرية والوسطى نزوحاً داخلياً، إذ أقاموا مع أقرباء لهم، أو استأجروا بيوتاً جديدة، أما الفقراء فاستقر بهم المقام في مخيمات للاجئين في الضفة وغزة وفي الدول العربية القريبة.. لبنان وسوريا والأردن والعراق.
وتمت سيطرة القوات الصهيونية على أغلبية بيوت الفلسطينيين وأراضيهم الزراعية بشكل ارتجالي وغير منسق خلال ربيع 1948، وفي بعض الحالات كانت القرارات الخاصة بزراعة أراضي اللاجئين واحتلال بيوتهم تُتَّخَذ من جانب مسؤولين في الوكالة اليهودية والمركز الزراعي التابع للهستدروت (نقابة العمال الصهاينة) و(الجيش) وأفراد يهود، أما التركة الكبيرة من الأراضي والأملاك التي خلَّفها النازحون فقد دعا المسؤولين الصهاينة في مرحلة ما قبل قيام (الدولة) إلى إنشاء سلسلة من الهيئات للسيطرة الرسمية على أراضي اللاجئين التي كانت تعرف باسم أراض متروكة وبالعبرية (أداموت نيتوشوت)، وكانت تحت سلطة الهاغاناه التي كانت تشكل (الجيش) الصهيوني الذي يحتل الأرض، وفي أواخرأبريل 1948 أنشأت الهاغاناه لجنة الأملاك العربية في القرى، وسرعان ما أصبحت هذه اللجنة دائرة الشؤون العربية التابعة للهاغاناه، وكذلك شُكِّلت لجنتان عسكريتان للتعامل مع الأملاك المتروكة التي تمت السيطرة عليها، الأولى أنشأها بن غوريون بعد سقوط حيفا وطبرية وصفَد، وفي مايو استُحدِثت (وزارة الدفاع) بـ(الحكومة) المؤقتة منصب المشرف على الأملاك المتروكة في يافا.
وقد أدار (الجيش) الصهيوني (الهاغاناه) الأملاك الفلسطينية بعد خروج اللاجئين، وأعقب ذلك محاولات تنظيم إسكان يهود مهاجرين في بيوت الفلسطينيين التي جرت السيطرة عليها، وأصدر بن غورين رئيس الوكالة اليهودية و(رئيس الحكومة) لاحقاً أوامر إلى الهاغاناه بالشروع في إسكان يهود ففي المناطق الفلسطينية التي تم احتلالها غربي القدس في وقت مبكر من فبراير 1948، وقرر بهذه الخطوة نقل الأملاك الفلسطينية في المدن أيضاً كيافا وحيفا وصفد وبصفة دائمة إلى أيدي عائلات يهودية، وقال إن هذه البيوت والعقارات تعود ملكيتها الآن لـ(الحكومة)، وكان يتحدث عن يافا في ذلك الوقت, وأن يافا ستكون مدينة يهودية (فالحرب هي الحرب).
وقد تم تقسيم الأملاك العربية في حيفا إلى ثلاث فئات.. أملاك الفلسطينيين الذين بقوا في المدينة، وأملاك العرب غير الفلسطينيين، أما أملاك النازحين عن بيوتهم وهي الفئة الثالثة فاستولت عليها (الدولة) بصفتها أملاك (عدو).
وفي وثيقة مهمة عن كيفية إدارة الأملاك الفلسطينية في الأيام الأولى بعد خروج اللاجئين مؤرخة في يونيو 1948 فإنها تسلط الضوء على اجتماع عُقد بين مسؤول من القنصلية (الأميركية) في حيفا وبين المشرف على الأملاك العربية في اللواء الشمالي المدعو نفتالي ليفشتس الذي يعتبر أحد المحامين البارزين في حيفا، وكان القنصل الأميركي أوبري ليبينكون قد تلقى رسالة من السيدة إيفلين جبارة وهي أميركية من أصل فلسطيني نزحت هي وعائلتها إلى لبنان تستفسر عن بيت عائلتها وأثاثه وبعض المقتنيات الثمينة، وذلك بعد أن تركت بيتها جراء اعتداءات (الجيش) الصهيوني عليهم وترهيبهم وارتكاب مجازر. واخبره ليفشتس بأنه ليست هناك نية أو تفكير في عودة اللاجئين او حتى تعويضهم، لأن الوقت مايزال مبكراً لإحصاء أملاك الغائبين، وأن البيوت الفارغة تم توزيعها على عائلات يهودية مهاجرة.
من هنا نرى أن هذه النكبة التي مضى عليها سبعون عاماً قد شرَّدت ثلثي الشعب الفلسطيني من ديارهم وصادرت أراضيهم وأموالهم وأبقتهم حتى يومنا هذا في المنافي. وهذا ما يسمى في القانون الدولي التنظيف العِرْقي أو التطهير العِرْقي بكل وسائل الطرد والإبادة.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com