النهضة الرشيدة

حركة النهضة في تونس تعطي هذه الأيام كما هي دائماً دروسا في الحراك السياسي وكيف تكون الحكمة والتعقل في الوصول للغاية، وهي قبول الناس أولاً ومن ثم تسَيُّد المشهد من خلالهم. كلي إعجاب بمنهج حركة النهضة سواء قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة وأثناءها وحتى مباركتهم لغريمهم السياسي بعدها.
واللافت أيضاً تعاملهم مع الشأن الرئاسي بعدم دفع مرشح رغم وضوح حظوظهم المعروفة وقوتهم في الشارع. بل ذهبت النهضة أبعد من ذلك عبر الوقوف على الحياد وعدم الانحياز الصريح باسم الحركة مع أي مرشح دعماً للُّحمة الوطنية. 
حركة النهضة أثبتت حيويتها بعدم الاستئثار بالمشهد السياسي حين سمحت لمن كانوا يوماً من أزلام طاغية تونس السابق المدعو زين العابدين أن يعودوا لممارسة السياسة عبر ما يعرف بحزب (نداء تونس)، ولم تناصبهم العداء لكي يعم الصلح ويترسخ الاستقرار في المجتمع التونسي، ثم يكون دور الناس في التمييز والاختيار للأفضل، لا أن تنتهز فرصة تغييب الغريم عبر إقصائه من المشهد وتكريس العداء له كي تحظى هي بالسلطة. وتلك فراسة سياسية من النهضة لأنها تعلم أن الغريم وإنْ كان تاريخه مشوهاً لكنه يملك من العمق الكثير بين المجتمع التونسي، ومعاداته تعني مزيداً من الانقسام والتشرذم لهذا المجتمع الصغير، مما قد يجعله  فريسة لتدخل قوى الشر من هنا وهناك. 
حركة النهضة كذلك التزمت بأدبياتها الواضحة ولم تغيرها من أجل المكاسب التي كان بالإمكان أن تضعها في الصدارة وعلى سدة الحكم. فهي لم تستقو بتيار إسلامي سياسي آخر أي استقواء بالتقارب الإيديولوجي، بل كانت لها مبادئها التي أدت إلى أن تكون بينها وبين تيارات إسلامية معروفة في تونس مناكفات مشهودة، كان للحركة الشجاعة الكافية أن تتميز بفكرها ومنهجها، بل كانت ناصحة لغيرها من الجماعات الإسلامية التونسية، الأمر الذي كلفها ذلك الكثير، بحيث لاتتماهى مع هذه التيارات بفكرها تداركاً لتمييع منهجها الرصين، وألا تنشغل  بمجاملات على حساب عمقها الوطني والإسلامي ولحمتها الوطنية.
وفي الانتخابات الرئاسية الأخيرة أبت النهضة أن تُحسَب على تيار بعينه، وصرحت أنها لاتقف مع مرشح بعينه، لاسيما وإنها لم تدفع بمرشح للرئاسة وتركت لأعضائها حرية اختيار من يرونه الأنسب للرئاسة. وحتى الأمس وبعد وصول كل من المنصف المرزوقي والقائد السبسي لجولة الإعادة، تأبى النهضة الوقوف علانية مع أحدهما خدمة للمشروع التونسي الجامع وليس النهضوي بالرغم من وضوح البون الشاسع بين المرشحين. 
ولاينبغي التغافل مع كل ما سبق ذكره من مآثر ونجاحات أن المؤثرات الداخلية والخارجية كانت وماتزال  تضغط على النهضة وتريد زحزحتها وإنهاء مشروعها أو تعطيله كما حصل في بقية دول الربيع، ولكن الفكر الواقعي والتدرج في تكوين القواعد من خلال التغلغل في الشعوب لا التهافت على تحقيق المكاسب السياسية هو القارب المنقذ للنهضة حتى الآن وهو اجتهاد يؤجرون عليه.
حين سمعت يوماً أن حركة النهضة هي من علمت أردوغان والأتراك السياسة باعتراف أردوغان نفسه ظننت أن في هذا الكلام شيئاً من المبالغة، ولكنني أيقنت الآن أن فكراً من رجال من أمثال الشيخ راشد الغنوشي ونائبه الشيخ عبدالفتاح مورو وإخوانهم في القيادة والقاعدة فيه الكثير من الحصافة واللياقة والكياسة والسياسة الرصينة التي تقوم على عدم الاستعجال في قطف الثمار كي لاتوصف بالانتهازية لمجرد أنها الفصيل الأكثر والأكثر تنظيماً. فكر كهذا ينبغي أن يدرس وأن يستفاد منه لكل من أراد أن يتصدى للعمل السياسي بروح التنافس لا المغالبة.

خدمة إيقاظ:
نسبة المشاركة في التصويت للانتخابات التشريعية البحرينية أثبتت للعالم أن أهل هذه الأرض يستطيعون أن يقلبوا الحسابات متى شاءوا بدون مراهقة سياسية ولا بهرجة إعلامية. فقد قالوا للآخر: لست وحدك في البحرين فنحن هنا.
وبالرغم أن ثمة جولة إعادة بأغلب الدوائر بسبب كثرة عدد المترشحين فيها وصعوبة الحسم، إلا أن ما رشح من نتائج الدور الأول يبين بما لايدع مجالاً للشك وعي الناخب البحريني ومعرفته بمن يستحق صوته بالرغم من الدعاية الكاذبة الماكرة والمسيئة للشرفاء، وبالرغم من كثرة الأدعياء والمتهافتين والمتسلقين والباحثين عن الجاه والمال، ولو بالكذب والرشوة.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com