بحثاً عن السر..!

نزل عليَّ خبر وفاة المنشد مشاري ناصر العرادة مثل الصاعقة، أبكاني، هزّني هزاً شديداً:
صديق أبنائي كان.. له بصمة طيبة فيهم من خلال صحبتهم له، مما أثار انتباهي وتأملاتي وأنا أقرأ هذا السيل الجارف من التفاعل مع خبر وفاته ورثائه والثناء عليه في وسائل التواصل الاجتماعي:
١- العدد الهائل الذي رثاه ودعا له وأبدى تأثّره لوفاته من دولة الكويت وخارجها. رثاه الناس من كافة الأطياف الفكرية والدينية: الدعاة والمشايخ وبعض الليبراليين، الشباب الملتزم دينياً وغيرهم، هذا الصيت الطيب والذكر المحمود لابد أن وراءه سراً!
٢- العدد الهائل من الناس وبالأخص الشباب الذين لايعرفونه شخصياً ولكن يقولون إنهم تربّوا على أناشيده، والعدد الكبير الذي أفصح أن توبته واستقامته على الطريق كانت – بعد فضل اﷲ – بسبب نشيد (فرشَي التراب).
3 – أعلم أن فئة ستقول: لقد بالغتم في مدحه والثناء عليه، (وقد قالها أحدهم في تعليق سلبي هو الوحيد الذي قرأته في خِضَم آلاف التغريدات التي تثني عليه خيراً: ترثونه وكأنه مجاهد في سبيل اﷲ، وكأنّه أنشد للجيش الذي حرّر القدس). أمثال أصحاب هذه العقليات والتعليقات يغفلون عن معنى عظيم من معاني هذا الدين القويم: إن اﷲ لايضيع عمل عامل منكم، وإن الأعمال بالنيات، وإنه رُبَّ عملاً صغيراً تعظِّمه النية، وإن جهاد اللسان في نصرة الدين ليس بهيِّن في الميزان (ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن) حديث شريف.
إن منزلة الإنسان في ديننا هو بمقدار ماسخَّرها من قدراته ومواهبه وما يحسنه في سبيل نصرة دين اﷲ وإعلاء كلمته ونشر الخير وقيم الخير بنيّة صالحة تبتغي ماعند اﷲ.
وأحب أن أقف هنا وقفتين وأنا أتأمل فيما قدَّمه مشاري رحمات اﷲ تترى عليه:
١- كان يحرص على انتقاء الأشعار ذات المعاني الإيمانية الرقراقة التي تحبِّب الناس بربهم وتفتح لهم نافذة الرجاء بعفوه ولطفه وإحسانه: خفيّ اللطف، بك أستجير، طرقتُ باب الرجا، تبارك ذو الجلال، …إلخ، فلعلّ نيّته في تحبيب الناس بربهم وخالقهم قد كوفيء عليها من الرب الودود الشكور بهذه المحبة الطاغية التي حظي بها عند موته.
٢- لعل مما ثقَّل ميزانه – نحسبه كذلك والله حسيبه – نشيدته عن فلسطين (أمي فلسطين) بالمشاركة مع ابني الحبيب حمود الخضر، هذه النشيدة التي أثَّرت في وجدان عشرات الآلاف من الشباب، وأعادت زخم التعاطف مع قضية فلسطين بعد أن ضعُف جداً، وأذكر في تلك الفترة – في الكويت تحديداً – كان الحديث عن قضية فلسطين غير مرحَّب به شعبياً نوعاً ما، بسبب تبعات غزو صدام للعراق وغضب الكويتيين من مواقف (بعض) الفلسطينيين في الكويت وخارج الكويت المؤيدة للغزو، فجاءت هذه النشيدة – بما حققته من نجاح كبير وانتشار قوي جداً بين كافة شرائح المجتمع صغاراً وكباراً، ملتزمين دينياً وغير ملتزمين، وبحيث إنها كانت تذاع في الإذاعات المدرسية بشكل شبه يومي، – جاءت لتحيي جذوة مشاعر الحب والنصرة لمسرى النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه في رأيي من حسنات مشاري العظيمة – إن شاء ﷲ – والتي أرجو أن يُكتَب لها القبول عند رب العالمين.

خلاصة الكلام:

مشاري، كما يذكر مَن عاشَروه وعرفوه عن قرب، ليس بائع كلام ولاهاوياً للنشيد ولا طالب للشهرة، بل هو شخص ملتزم، مؤمن بما ينشده من معان راقية نبيلة، صاحب رسالة حرص على إتقان إيصالها للناس، وذو قدم راسخة في العمل الخيري الإغاثي.
أنتم شهداء الله في الأرض.
هنيئاً لمشاري هذه البشارة، وهذا الأثر الطيب لكلماته وأناشيده وتغريداته حتى بعد موته:
فكانت في حياتك لي عظاتٌ
وأنت اليوم أوعظُ منك حيّاً.
طبت حيّاً وميّتاً يا ولدي
قد كان يشدو بالرحيلِ وقد غدا
هذا المساء لكلّ حيٍّ موعظة
اللهم اغفر له وارحمه وتجاوز عنه
وجازه بالإحسان إحساناً وبالسيئات عفواً وغفرانا
اللهم كن له بعد الحبيب حبيباً ولدعاء من دعا له سامعاً ومجيباً
أبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله
اللهم إن عبدك مشاري في ذمتك وحبل جوارك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك، وكان يحبب الناس فيك وفي دينك، فأكرِم اللهم وفادته عليك وثبِّته عند السؤال، واكتب له رضوانك وسكنى الفردوس الأعلى من جنانك. آمين.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com