بحثًا عن هوية المحرق

كتابة هذا المقال كانت من أصعب التجارب الصحفية التي عايشتها، ليس بسبب حساسية الموضوع بتاتًا، بل لأن الكلمات كانت تجد صعوبة في الخروج من القلب الذي خرج رغمًا عنه من المحرق، وكما قال الشاعر الراحل محمود درويش: «ما هو الوطن؟ إنه ليس سؤالاً تجيب عنه وتمضي، إنه حياتك وقضيتك معًا».
ومما لاشك فيه أن الحياة بطبيعتها في تغيُّر مستمر، فقد تغيرت أنماط السكن وأساليبه بتغير الزمان ومتطلباته في شتى بقاع الأرض، وبطبيعة الحال الإعمارية في أي بلد، فهناك خطط لإعمار مدن مستحدثة، وفي المقابل من المفترض صيانة وترميم المدن التي هي بحاجة إلى تعديل وترميم، لكي يتم الحفاظ على الرونق الشعبي المتماسك في آن.
وقد لايخفى على كل من ترك منزله في المحرق مثلاً منتقلاً إلى مدينة أخرى ومسكن جديد أنه ربما يكون ضيع هويته حين خرج وترك أروقة المحرق العتيقة لتصبح وتمسي بلا هوية تُذكر، أو بمصطلح آخر أدق «بهوية متعددة الجنسيات».
إن الأرض هي أصل الجذور، الأرض التي تحمل خيرات الوطن وتحمل ذرات ونُطَف المواطنين، إنها الأرض التي تعطي لكل شيء قيمة وأصلاً، والمحرق كانت وماتزال أرض الخير التي تعطي بلا توقف، ولكن يجدر بنا هنا التوقف عند: كيف سيكون حال المحرق بعد عشر أو عشرين سنة قادمة؟!
وبالطبع فإن هيئة شؤون الثقافة والآثار ماتزال تبني وترمم وتنجز وتصارع تحوُّل الهوية وتحاول جاهدة الإبقاء على هوية وتاريخ المحرق، من خلال مشاريعها الثقافية والسياحية كطريق اللؤلؤ الذي مايزال في طور الإنجاز، والمكتبة الخليفية التي أعيد كيانها بنفس موقعها مؤخرًا بمحيط سوق المحرق، وغيرها من مشاريع الترميم للمباني القديمة، ولكن يبقى السؤال يطرح نفسه: هل يشفع ذلك في غياب الأصالة الشعبية المتمثلة في سكن العوائل البحرينية المواطِنة والقيم التي كانت وماتزال مغروسة في أروقة المحرق وشوارعها؟ وأين صارت تلك الخطط والأحلام التي رسمها كل مَن سكن المحرق من رجال وأطفال وشباب ونساء؟!
ربما يكون الوقت قد حان لكي تسترد المحرق هويتها ويعود إليها مَن صنعت منهم رجالاً يشار إليهم بالبنان، وتعود الأصالة بعودة العوائل الأصيلة إلى مساكنها بعد تجديدها، وتعود الحياة الجميلة كما كانت، لتعود لنا المحرق.. كما كانت.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com