بعد قرن على «سايكس بيكو».. الاختلاف يعيد ترسيم حدود المنطقة

يكاد معظم الباحثين والمراقبين يتفقون على أن يوم 16 مايو الماضي، الذي وافق الذكرى المئوية الأولى لاتفاق (سايكس/بيكو) الذي وُقِّع في 16 مايو 1916 كان بمثابة الإعلان الرسمي لوفاته، وإنْ كانوا يختلفون على شكل وماهية النظام الذي سيسود المنطقة بعد هذا التاريخ، في ظل حراك إقليمي ودولي نشط، تغيب عنه القوة الدولية الفاعلة القادرة بقوة على إعادة ترسيم الحدود المتآكلة.
الاتفاق الذي صاغه كل من مارك سايكس عضو البرلمان الإنجليزي وجورج بيكو قنصل فرنسا في بيروت، خلافاً للمعتقد الشائع، لم يكن العنصر الحاسم في ترسيم الحدود في المنطقة العربية، ففضلاً عن أن الاتفاق كان خاصاً فقط بالمشرق الغربي والعراق، دون المغرب العربي وشبه جزيرة العرب، فقد كان امتداداً لمعاهدة بطرسبرج التي عقدتها بريطانيا وفرنسا مع روسيا في مارس من العام نفسه لتقسيم أملاك الإمبراطورية العثمانية.
ويؤكد المؤرخون أنه تم تجاوز الكثير مما تضمنه الاتفاق من خلال اتصالات ومؤتمرات دولية (سان ريمو، وسيفر، ولوزان)، وبموجب تطورات تاريخية استمرت لِما يقارب من ربع قرن حتى عام 1939، عشية الحرب العالمية الثانية. وكل هذا يؤكد أن احتمالية إعادة رسْم خرائط المنطقة وفق اتفاق سايكس/بيكو2، أمر غير ممكن، ليس فقط بسبب اختلاف الظروف الإقليمية والدولية التي كانت سائدة قبل قرن، بل لأن القوى التي فرضت الاتفاق على الأرض (إمبراطوريتا بريطانيا وفرنسا) لم تعد موجودة كقوى عظمى، ناهيك عن عدم وجود قوة عظمى مطلقة قادرة على ما فعلته تلكما الإمبراطوريتان، بل إن القوة العظمى الأقوى اليوم وهي الولايات المتحدة الأميركية، غير قادرة على فرْض خرائط أو وقائع جديدة، في ظل استراتيجية الانكماش والعزلة التي تنتهجها اليوم، بعد أن ثبت فشلها في فرض نظامها على أفغانستان والعراق، فكيف ببقية المنطقة؟
يضاف إلى ذلك وجود أقطاب دولية كبرى تمنعها من الانفراد بمثل هذه المهمة، حتى لو أرادت ذلك، وكل هذا يقود إلى اعتقاد يكاد يكون جازماً، أن ما ينتظر المنطقة هو أن (الاختلاف) هو ما سيرسم الحدود في منطقتنا وليس (الاتفاق).
في ظل هذه الوقائع، لايجازف مؤرخ جاد أو كاتب يحترم نفسه بالتنبؤ بما ستؤول إليه الحدود التي بدأت تتداعى، نتيجة الصراعات الإثنية والعِرقِية والمذهبية، بتغذية حثيثة خارجية وداخلية، وحتى مراكز الأبحاث الكبرى التي تستقر تقاريرها وتقديراتها الاستراتيجية على مكاتب متخذي القرار في الدول المختلفة، تتميز بحالة من عدم اليقين، وخاصة حينما يتعلق الأمر بما ستؤول إليه الأحداث في منطقتنا، بسبب تشابك المصالح وتناقضها وتعقيداتها، فيما تكاد الدول الكبرى ومن يدور في فلكها من أشباه الدول تتفق على شيء واحد فقط هو ضرورة الحيلولة دون عودة الهوية الحضارية والثقافية والدينية للشرق كعامل مؤثر في صناعة التاريخ وإعادة ترسيم الحدود، وعنوان هذا الاتفاق، مصطلح غامض تضع تحته كل خطر محتمل يهدد مصالح تلك الدول، وهو مصطلح (التطرف الإسلامي).
وبشكل أو بآخر، وليس صدفة، أن تكون الخلافة العثمانية، وهي الإطار الإسلامي الجامع، هي التي كانت مستهدَفة من اتفاق (سايكس وبيكو)، وما تبعه من اتفاقات، سرية وعلنية، حيث تسود خشية حقيقية وجادة لدى أطراف ذلك الاتفاق ومضن ورثَهم من قوى عظمى، من عودة تلك الهوية الجامعة، لتكون العنصر الحاسم في مسح الحدود المتداعية الحالية، ورسم حدود أخرى جديدة، قد تطيح في طريقها بكثير من المصالح الحيوية، ومخلفات الاستعمارين القديم والحديث، من كيانات ودول ومحميات هشة، لم تكن لتصمُد لولا دورانها في فلك الآخرين.
وليس غريباً بالطبع أن تكون تركيا على رأس قائمة الدول المستهدَفة من قِبَل منظومة الاستعمار الحديث، كما استُهدِفت من منظومة الاستعمار القديم، ليس لجهة رمزيتها كوريثة تاريخية وحضارية للخلافة العثمانية فقط، بل لأنها تقدم نموذجاً عصرياً ومقبولاً وملهماً لشعوب المنطقة، المتطلعة لغد يوازن بين أصالة الماضي، ومعاصرة الحاضر.
ما هو مؤكد في ظلال هذه (الفوضى المرتبة) أنه يمكنك أن تدوس الأزهار.. لكنك لن تؤخر الربيع، كما قال ألكسندر دوبتشيك مفجِّر حركة (ربيع براغ) عام 1968. ولئن تمكنت الثورة المضادة مرحلياً من سحق ثورات الربيع العربي، التي بشرت بإعادة الحياة إلى المنطقة، وعبرت هتافات جماهيرها كل الحدود الهشة، وترددت في جنبات الكرة الأرضية، إلا أن الجمر المتقد تحت الرماد، لم يزل قادراً على الاشتعال.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com