بين حريق (إسرائيل).. وحرائق حلب

هناك وذات يوم وبعد أحداث كثيرة تمر السنوات على أول لقاء لنا على أرض الشام، ها هي حلب ماتزال تنادي أمة “لا أسمع ولا أرى ولا أتكلم” دون أنْ تلقى إجابة تبدد تساؤلات الأرواح البريئة المزهقة وحيارى يجهلون المصير. حلب الشهباء التي كانت في يوم ما عامرة بالحياة والسكينة والجمال، والتي لم تعد اليوم سوى بقايا شواهد وصخور متراكمة هوت على ساكنيها ورماد يعمي العيون، وشيخ يحتسب أمره عند الله وسبحانه وتعالى على المتآمرين الذين تكالبوا على الشام، وأولئك الذين غيَّروا جلدهم وخرجوا عن إرادة الشعوب العربية لأجل الحفاظ على كراسيِّهم التي لن تنفعهم، وحرصاً على الدفاع عن أمن وسلامة الكيان الصهيوني من أن يصيبه أي مكروه.
لم تكن المشاهد فيلماً من إنتاج مخرجي السينما بل واقعاً مؤلماً وبلداً يغص بالجراح والطعنات. فثمة دماء وأشلاء مقطَّعة في الشوارع دون أنْ تعرف أي ذنب قد اقترفت وبه قُتِلت، واختفت طيور الحب والسلام التي كانت تغرد بين ثنايا الوجدان فقد غيَّبتها الضمائر الميتة، وتلاشت تلك المساكن والأسواق والمساجد والكنائس والشواهد التي لَطالما زخرت بالملحمات البطولية الخالدة، فهي أرض مباركة وحاسدوها كُثُر لايريدون أن تستقر أوضاع المنطقة، بل يسعى كل طرف من هذه الدول والجماعات إلى كسْب أكبر حصة من الغنائم، لكنهم لن يحلموا بذلك ما بقي في الشام رجال صار الموت صديقهم، وأصوات الرصاص والصواريخ المنهمرة ألحاناً تعزف سيمفونية الحرية.
الظلم ساعة مهما طال ليلُه والحق باق يا خلق إلى الساعة، ولربما كان من الظلم أن تنعم (إسرائيل) بالأمن والأمان وهي السبب الرئيسي لكل الحروب في العالم، فكان لابد لها من أن تذوق بعضاً مما يتعرض له العرب والمسلمون من ويلات تفرضها الدول الكبرى على المنطقة، وهم الذين منعوا الأذان أن يرتفع في الأراضي الفلسطينية المحتلة ويدَّعون السلام من جهة اخرى، وجاءهم العقاب الدنيوي قبل عذاب الآخرة ليذوق الصهاينة أكثر من مائتي حريق في أماكن متفرقة، في حين أجْلت السلطات عشرات الآلاف من منازلهم وسط أحداث غير مألوفة ولا متوقعة، فقد اعتاد هذا السرطان المزروع في قلب الأمة ومن يحالفه أن يروِّعوا الآمنين دون أن يكتووا هم بالنار.
وقد اعتدنا أنْ نرى حلب وغيرها من مدن عربية تحترق وتباد دون أنْ يحرك الغرب ساكناً، ولا حتى منظمات حقوق الإنسان العميلة والمأجورة تدلي بأي تصريح معارض أو إدانة تجاه ما يحدث في سوريا. وفي الاتجاه الآخر تسارع الدول المتآمرة للمساعدة في إطفاء الحرائق المشتعلة في (إسرائيل) بجميع إمكانياتها المتطورة والمكلفة! تلك هي ازدواجية الغرب التي لاتعطي للعرب والمسلمين أي قيمة وكأنهم حشرة، مع أننا نشترك في كوننا بشراً لنا أهل وأصدقاء وأناس نحبهم ونعزهم ولانقوى على فراقهم، فلايجوز أن يُقتَل ويحرق ويشرد الآلاف من حلب ويمر ذلك مرور الكرام وكأن شيئاً لم يكن، ودون أنْ يلقى المجرمون جزاءهم على ما اقترفوه من جرائم إرهابية شنيعة بحق الإنسانية في سوريا.
وماتزال صورة أخينا حمود المطيري رحمه الله ماثلة أمامي، فكان يسهر الليالي وهو يخطط كيف يمكن الاستفادة من المساهمات لتوفير الغذاء والملبس للمحتاجين، ولم أنس الجولات في شوارع سوريا لتوزيع السلع الأساسية والبطانيات فيما الطائرات تقصف بالبراميل المتفجرة.
وفي الوجه المقابل ومن المتناقضات المؤسفة فيديو لأحد (الخليجيين) يروِّج للسياحة في (إسرائيل) ويزعم أن الأمور طيبة! وينسى الانتهاكات الصارخة ضد الشعب الفلسطيني والاحتلال البغيض الذي لايتقبل العيش مع الآخر. وإننا لنتمنى فعلاً أنْ لاتؤول الأمور إلى أنْ يطبع العرب والمسلمون مع الكيان الصهيوني، لأنه بهذا ستسقط كل العواصم العربية في خِزْي الذل والعار، فتذهب دولنا كما ذهبت فلسطين الحبيبة طي النسيان.

* كاتب بحريني

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com