تأملات

تأملتُ.. الطفل حين يبكي إثر انتزاع (سكاكر) من فمه أو لعبة بيده، ذلك أن الدنيا بالنسبة إليه اضحت سكاكر وألعاباً، وهي ما تطيب له نفسه ليبتهج ويهنأ، بل أصبح مأسوراً بها إذ أدرك ما لم يدركه من قبل.
وسلوك طفلٍ كهذا لايختلف عن سلوك مَن يحتسي الخمرة للمرة الأولى، إذ إن تأثير النشوة يجعله يعيش لحظات يطرَب لها دماغه، فيكتئب مجدداً ناشداً ذات الأثر لعله تطيب نفسه عبرها، غير أنها لن تطيب.
والسارق حين يسرق، تنتابه فرحة في المال حين يعدُّه، وسرعان ما ينتابه الخوف متوجساً لحظة القبض عليه.
والجميع عبر هذه الصور ينشد الحياة الطيبة، ليأتي القرآن الكريم مبيِّناً ومرشداً لمفهوم (الحياة الطيبة) عبر قوله تعالى: «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنََّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ».
فحين يصبح جسدك بكليَّته، وهمومك وخطرات قلبك، قانعة بما رزقك الله وراضية بما قسم، متجهة نحو مرضات الله، فتجتمع أفكارك التي كانت منقسمة بكل وادٍ، ليصير ذكر محبوب القلب هو الأعلى، والأنس بقربه والشوق إلى لقائه الهدف الأسمى، نكون بصدد نهج غير مسبوق حيال طِيْب الحياة (كمفهوم). وإدراك كهذا شبيه بمفاهيم أخرى يطرحها الإسلام في مثل (ما نقص مال من صدقة) لتعني الزيادة وليس النقصان، و(الشهيد) ليعود حياً، وهو ما يستقيم مع (الهجْر الجميل) و(الصبر الجميل)، ولايختلف أيضاً عما طرحه نبينا صلى الله عليه وسلم إذ قال (أتدرون مَن المفلس؟) وكذلك الحياة الطيبة، حين يحصرها البشر في متاع الدنيا ويُغفِلون القلب إمتاعاً، ليكونوا قد حادوا عن الطريق حيال (حقيقة) الحياة الطيبة حين يتشبثون (بالواقع)، لذا وجدنا نسبة الانتحار في السويد مع الشباب تتعاظم، وفي اليابان بالرغم من الغِنَى المادي أضحت مع الصغار تتفاقم، فالارتقاء بالقلب يجعل الإنسان ناظراً للأشياء من حوله بعدسة مُغايرة.. عدسة تمنح الانسجام فيما بين (القلب والرب)، فحين نزلت (إقرأ) لوَّنت (الحياة) بلون على غير مثال سابق، فهي لن تكون طيبة إلا عبر اسم ربك الذي خلق، وعليه (تلونت)، فما عاد المطعم والمسكن والمنكح، ولا بالنظر عما بيد الغير، وإنما القناعة بما وهب الله وأعطى، فتلك هي (سكاكر) قلب المسلم للحياة الطيبة.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com