تأملات

تأملتُ.. (المنطقة الرمادية)، في كل شيء من حولنا، فهي منطقة لا هي بالأسود ولا هي بالأبيض، لذا سماها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كقطع الليل المظلم، مظلمٌ لانتفاء الجادَّة التي تأخذ بيد الإنسان نحو طريق الأمان، مما يجعل العقل محتاراً في الاتجاه الذي تمضي فيه، فها هي (الفتن)، محضنٌ لمناطق رماديه، ففتنة (معركة الجمل) منطقة رمادية، حار فيها حتى الصحابة، وانتقال الخلافة من راشدة الى أموية، ومنها إلى عباسية، وإلى ما بعد ذلك من استخلافات عبر خلافات، جميعها مرت عبر مناطق رمادية، وما نحن فيه اليوم من تقلبات في منطقتنا العربية، مناطق رمادية، وها هي بعض قضايا الشرع في مثل بعض حالات الزواج، وحالات البيع والشراء، وفي غضِّ البصر، وحالات طاعة الحاكم حال ضل وطغى، وحالات الحجاب وغيرها، وصفها رسولنا الكريم بعبارة (أمور مشتَبَهات)، هي مساحة اضطراب، يضطرب فيها القلب والعقل معاً، فيحتار فيما يختار، كُنت أمقتها لحين، وأتساءل في الحكمة من وجودها، أهي من نقصٍ في التشريع؟ وحاشا لله أن تكون كذلك، أم أن تشريعنا كامل لتكمن المشكلة في عقولنا التي لاتستوعب الأحداث، فتختل أمامها المعايير؟ لحين أنْ إطمَأَن قلبي للحكمة البالغة من وجودها، فأضحى وجودها بمثابة (معيار للارتقاء)، فحقيقة قوله تعالى في «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي»، و(بينهما أمور مشتَبَهات) صلة عظيمة، في مدى الوضوح الذي ستتمكن عبره من رؤية الأمور من حولك، على اختلاف صورها، ليستقر قلبك نحو ما تختار، وهنا مكمن مسألة اطمئنان القلب، فحين يستوى، مثلما استوت سفينة نوح على الجودي، سيختار القلب، ولن يكون اختياره حينئذ أقرب للصواب إلا عبر اطمئنانه، حيث تكون حينها الرؤية كأوضح ما يكون، حيث للاجتهاد هنا نصيب، ولكل مجتهد أجر مهما كانت وجهته طالما أنه قد اطمأن. وجاءت مقولة نبينا الكريم في (تقتلك الفئة الباغية)، لبيان أن في ظل تلك المناطق الرمادية، ثمة قيعان للصواب وأخرى للخطأ، وعليه تُركت تلك المناطق عن عمدٍ لتكون (رمادية).

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com