تجفيف المعارف

إذا سلمنا أن أرض الأفكار لايمكن غرْسها الا بالصالح من البذور الفكرية وسقيها بماء الفكر الذي يسري في جداول وأنهارالمكتبات، والتي تصب بدورها في محيطات المعرفة، فلابد من التثبت يقيناً من أن هاته الأفكار تتزاوج وتتوالد كما نتوالد نحن بني الإنسان، بل وتنمو وتترعرع وتخرج أغصانها الفكرية إخراجاً.
استقى العلماء منهجية تشجير الأفكار من أجل إبداع منهجية ثابتة في الكتابة والتأليف، فكان أن سموا ذلك بالعَصْف الذهني، فإذا تأملنا ملياً في نظريتهم تلك وجدناها لاتخرج عما قلنا من قبل.
بقراءة لِما كتبه أليكس أوزوبورن سنة 1953 في كتابه (التَّخَيُّل العقلي) الذي نظر فيه وأسَّس لكيفية العَصْف الذهني نجد أنه يتقاطع في ذلك مع ما أسماه إيمانويل لوفين في كتابه (إكسير الحقيقة) بـ”أدغال العقل”، كما مع الفكرة السابقة التي ذكرناها في مقال سابق بعنوان (التفافات شجر العقل)، وذلك بأن الأفكار تتوالد وتنمو بصفة عشوائية في أرض الأفكار، ولايمكن الاستغناء عن تشذيبها وقطع بعضها حتى تثمر أشجارها لذيذ الثمار الفكرية ولاتتأذى بالنباتات الضارة التي قد تنمو بجانبها.
يلخص أوزبورن نظريته في مبدأين أساسيين جعلهما عمودَي منهجيته وهما:
- مبدأ تأجيل النقد
- مبدأ تكثير الكمية
فلزم من المبدأ الأول عنده ترك الأفكار تتوالد بدون قيد، وإنْ كانت غير اعتيادية وبدون تقييم قد يقزِّم الأفكار ويبعدها من مجال الاستفادة منها، بل ويمكننا خلط مزيج من الأفكار لتكوين فكرة أفضل.
ولزم من المبدأ الثاني حسب رأيه أنَّ تكثير كمية الأفكار يعزز الإنتاج المختلف، بمعنى أننا كلما أكثرنا من الأفكار إلا وتعزَّز عدد الأفكار ذات القيمة والجودة، وبالتالي قويت فرصة إيجاد حلول قوية وفعالة.
وقد أجاد الكاتب الأميركي أوليفر ويندل هولمز 1809-1894 حين خط قلمه حكمة عظيمة في نفس سياق تأملاتنا الفكرية هي كالآتي “لايجب استعمال كل من المعرفة والحطب إلا بعد أن يتم تجفيفهما”، فهل هناك من تشبيه أغرب من هذا؟ لكن أوليفر أبدع حقاً حين أطلق هذا التشبيه، ذلك أن المعرفة شعلة فكرية حقيقية لايمكن أن تتولد إلا بعد تجفيف معارفنا وأفكارنا من بلل الشعور بـ(الأنا) الذي يسوق معظم أصحاب العلم (المجرَّد عن خُلُق التواضع) الى قطيعة بين العالم ومحيطه، بل وحتى مع خالقه، والعكس بالعكس، كلما وصل العالم علمه بخُلُقه، كلما حصل اتصال بينه وبين محيطه وبينه وبين بارئه، وبعد ذلك التجفيف المعنوي لحطب المعارف، آنئذ فقط يمكن أن تشتعل الأفكار المنوَّرة بنور التوحيد في قلوب العباد.
وإذا كانت شعلة نور الإيمان تتقد بحطب الأعمال الصالحة فإن شعلة نور الفكر كذلك، وإنما يُستبدَل العمل الصالح بالفكر الصالح عندما يتعلق الأمر بشعلة الفكر، ولذلك عبر طه حسين عن هذا المعنى قائلا: “محبة المعرفة لاتفترق عن الإيمان”. وشبهت الأديبة والمحاضرة الأميركية هيلين كيلر 1880-1968 المعرفة بالضوء، وهو ما يتفق مع نفس رؤيتنا، فخطَّت بإناملها ما يلي “المعرفة هي الحب والضوء والرؤية”.

* باحث في الأكسيولوجيا والديونطولوجيا

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com