تركيا والسعودية تختبران روسيا سياسياً في سوريا

أثناء زيارته إلى ألمانيا يوم الإثنين الموافق 19/10/2015 قال وزير الخارجية السعودية عادل الجبير إنّ «المجتمع الدولي قد يتسامح مع بقاء الأسد حتى تشكيل هيئة الحكم الانتقالي»، إلا أنه شدد على تنحِّيه قائلاً: «لكن عند تشكيل الهيئة الانتقالية، عليه التنحي»، مؤكداً أن المملكة العربية السعودية تدعم تشكيل هيئة انتقالية تحافظ على مؤسسات الدولة.
وبعدها بيوم واحد، نقلت وكالة (رويترز) للأنباء تصريحات عن مسؤولين أتراك رفيعي المستوى قالوا إن بإمكان تركيا القبول بمرحلة انتقالية من 6 أشهر يكون الأسد فيها مجرَّداً من صلاحياته بشكل كامل، على أن يرحل بعد هذه المدّة، وأنه جار مناقشة هذا الموضوع مع الحلفاء الغربيين، على أن يتم وفق ضمانات معينة، وأن الولايات المتحدة الأميركية ستطرح الموضوع على روسيا.
ولقد فسر كثيرون هذه التصريحات للجانبين السعودي والتركي على أنها تنازلات في المواقف المبدئية للبلدين، وهو تفسير غير دقيق، فإذا كانت هذه المواقف تعتبر تنازلات في حقيقة الأمر، فلمن تم تقديم هذه التنازلات ولماذا ومقابل ماذا بالضبط؟
ما حصل يجب أن يُفهم ضمن سياقه. هذه المواقف الأخيرة من تركيا والسعودية هي اختبار لمدى جدِّية موسكو بالالتزام بالحل السياسي في سوريا. يجب علينا ألا ننسى أن روسيا استدعت الأسد وحيداً إلى موسكو بعد هذه التصريحات، ولاشك أن لهذا الاستدعاء علاقة وثيقة بما تم طرحه قبل أيام من قبل الجانبين السعودي والتركي، ناهيك عن الاجتماع الرباعي الذي تقرر بعد ذلك بين الولايات المتحدة وروسيا وتركيا والسعودية في فينا.
في 20 أكتوبر الحالي، قال وزير الخارجية الأميركية جون كيري إنه على الأسد أن يرحل ولكن ليس بالضرورة فوراً أو من اليوم الأول أو حتى من الشهر الأول، وإنهم مستعدون للتفاوض. متسائلاً عما إذا كان الأسد مستعداً فعلاً للتفاوض الحقيقي وعما إذا كانت روسيا مستعدة لجلبه إلى الطاولة من أجل ذلك.
حتى شهر أغسطس الماضي كانت روسيا تصر على بقاء الأسد في السلطة دون الحديث عن مصيره أو عن الكيفية التي تريد من خلالها أن تساهم فيما تقول إنها حلول سياسية. لقد كانت الرسالة أن «علينا محاربة الإرهاب أولاً ومن ثم نستطيع أن نبحث الحل السياسي الذي يقوم على الحوار بين النظام الذي يرأسه الأسد وبين المعارضة».
في المقابل، كانت تركيا والسعودية تصران على ضرورة أن يرحل الأسد (والميليشيات التي تدعمه من الخارج) حتى يمكن البدء بتنفيذ مقررات جنيف وإطلاق العملية السياسية؛ بما يؤدي في النهاية إلى استعادة سوريا كدولة، وما من شأنه أن يوحد الجهود أيضاً في محاربة تنظيم (داعش) بالإضافة إلى تفاصيل أخرى.
وقد أكدت السعودية على موقفها هذا من خلال تصريحات عادل الجبير الشهيرة عن ضرورة رحيل الأسد عبر عملية سياسية وإلا فإنه سيرحل بعمل عسكري. وكذلك ظل الموقف التركي متماسكاً بخصوص ضرورة رحيل الأسد.
في المقابل، كان الموقف الأميركي آنذاك يرسل رسائل لموسكو بأنه لا مانع من بقاء الأسد في عملية انتقالية، ويقوم في الوقت نفسه باختبار مدى قدرة السعودية وتركيا على قبول مثل هذا الأمر. وفي الوقت الذي كانت فيه إدارة أوباما تقدم هذا الطرح لبوتين ضمن سلة من التنازلات، كانت في المقابل تحاول إقناع السعودية على وجه التحديد بضرورة تغيير موقفها.
وبالتوازي مع هذا السياق كانت الولايات المتحدة وروسيا (وماتزالان) تعززان موقعيهما في المعادلة السياسية السورية من خلال الحفاظ على المسارات العلنية السابقة المتعددة (مسار دي ميستورا، مسار موسكو 1 و2) بالإضافة إلى فتح مسارات أخرى (أمريكا، روسيا، السعودية).
ومع تدخل روسيا عسكرياً في سوريا، بدا أن بوتين يحاول استغلال المشهد من أجل أهدافه الخاصة، ومع الصمت الأميركي عملياً عما يقوم به الروس في سوريا. ولم يكن هناك الكثير من الخيارات للسعودية وتركيا، لكن ما توصل الطرفان إليه مؤخراً هو إما أن يدفع الروس الأسد للرحيل وفق خطة متفق عليها وبمدى زمني محدد ومقبول ودون أن تكون لديه صلاحيات، وإما أنهم سيكونون مضطرين إلى أن يدعموا العمليات العسكرية المسلّحة ضد الأسد حتى النهاية على هيئة تحرر وطني وهذا سيؤدي في المحصلة إلى إغراق روسيا.
ضمن هذا السياق، يمكن فهم الرسالة السعودية التركية التي تتحدث عن قبول مشروط بوجود الأسد لفترة زمنية محددة جداً، يكون فيها مجرّداً من كل الصلاحيات، على أن يرحل مباشرة بعد انتهاء المهلة بموازاة تشكيل هيئة انتقالية، وليس خلال عمل الهيئة الانتقالية.
هذا الطرح سيتم نقاشه بشكل مستفيض في هذه المرحلة، لكن الموقف الأميركي مايزال يشكل خطراً أيضاً على الموقفين السعودي والتركي، إذ إنه وبخلاف الموقفين التركي والسعودي الذي يشدد على أنه لا دور للأسد في العملية الانتقالية نفسها، فإن واشنطن منفتحة على مناقشة مشاركته في عملية انتقالية، وفيما ترى السعودية أنه لايمكن لإيران أن تلعب دوراً إيجابياً في الملف السوري، تصر إدارة أوباما على إشراك إيران في المعادلة.
إيجابية الموقفين التركي والسعودي أنه يوضح الخيارات المتاحة ويختبر الموقف الحقيقي للأطراف المنخرطة في الملف السوري، لاسيما تلك التي تدَّعي أنها تريد حلاً سياسياً لإنهاء الأزمة، لكن هذا الطرح يحمل معه أيضاً مخاطر محتملة، أبرزها أنه ما لم يتم تحديد إطاره بشكل دقيق جداً، فإنه قد يُستغَل لتوريط البلدين في عملية سياسية غير واضحة المعالم لايستفيد منها في النهاية إلا الأسد وروسيا وإيران، خاصة وأن الموقف الأميركي لايبالي حقيقة إنْ خدم مثل هذا الأمر روسيا وإيران، بل إنه قد يفضل في مرحلة ما أن يضمن لهما ما يريدانه كما أثبتت التجارب السابقة.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com