جامعة البحرين لتصحيح المسار

إن العدد الفعلي للأكاديميين المشمولين بالتدريس لايكاد يبلغ ٧٠٠. وبالتالي فإن عدد الطلبة بالنسبة للأكاديميين يفوق ٤١. فإذا ما تم فصل كليتي العلوم الصحية والمعلمين من تلك المعدلات لوضعهما الخاص فإن نحو ٥٥٠ أكاديمياً هو نصيب نحو 26500 طالب في باقي كليات الجامعة. أي بمعدل أكاديمي لكل ٤٨ طالباً. ومثل هذه المعدلات لاتكون مقبولة في الأعراف الأكاديمية، ولاسيما وفق المعايير البريطانية للكليات العلمية.
ويعد معدل تكدُّس الطلبة في صفوف الجامعة أكثر من نحو أربعة أضعاف مثيلاتها في الجامعات المرموقة. ولعل من التناقضات في الجامعة أن نبين أن نحو ١٥٠ أكاديمياً يقومون بتدريس دون ألفي طالب في كليتي العلوم الصحية والمعلمين، وأن نحو ٨٠ أكاديمياً أو يزيدون قليلاً يقومون بتدريس نحو ستة آلاف طالب في كلية إدارة الأعمال، بل يقوم ٥٥٠ أكاديمياً وحسب بتدريس أكثر من ٢٦ ألف طالب في باقي كليات الجامعة شاملة كلية إدارة الأعمال، فهل لمثل تلك التناقضات مبرر؟
ولعل من الوفاء شكر الرئيسة الأسبق للجامعة د. مريم آل خليفة التي وفقت قبل نحو أحد عشر عاماً مع مضاعفة ميزانية الجامعة، وإلاَّ لكانت المصيبة أعظم. وعلى القارىء تصوُّر تأثير مثل ذلك على أبنائنا الطلبة في الجامعة، وعلى كل ما يمت بالدراسة الجامعية فيها. ومن أجل المقارنة يمكننا ذكر الميزانيات السنوية للجامعات التالية – وقد رصدت قبل عامين – كي يعي القارئ حجم المصيبة: تفوق ميزانية جامعة الملك سعود في الرياض 942 مليون دينار، وجامعة الملك عبدالعزيز 447 مليون دينار، وجامعة الملك خالد 300 مليون دينار، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 285 مليون دينار، وأم القرى 218 مليون دينار، والدمام 236 مليون دينار، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن 124 مليون دينار.
وبينما يفوق عدد طلبة جامعة الملك سعود التي تأسست عام 1957 ثلاثة أضعاف عدد طلبة جامعة البحرين، لايصل عدد طلبة جامعة الملك فهد للبترول والمعادن ثلث عدد طلبة جامعة البحرين، حيث بلغ عدد طلبة جامعة الملك فهد هذا العام ٨٨٠٠ طالب. كما أن عدد موظفيها مقارِب لعدد موظفي الجامعة، وعلى القارىء مقارنة ميزانيتيهما بميزانية جامعتنا الوطنية. وأقل ميزانية جامعة في المملكة العربية السعودية إذا ما استثنينا جامعة المَجْمعة المحدودة نسبياً بالمقارنة مع الجامعات الأخرى، تفوق 72 مليون دينار، وتخص جامعة الحدود الشمالية، والتي يأتي ترتيبها 22 بين الجامعات السعودية من حيث الميزانيات. والحق أن ميزانية الجامعة الأردنية أعلى من ميزانية جامعة البحرين حيث يبلغ نحو 50 مليون دينار.
ورغم أن أزمة البحث العلمي في البحرين ليس محل نقاشنا في هذا المقال، فإن التطرق إلى البحث العلمي في جامعة البحرين لابد منه وإنْ على عُجالة، حيث يعد البحث العلمي ثاني أهداف إنشاء الجامعة. ولابد من التطرق إلى طرف من ذلك. فالبلاد التي لايُقَدَّر فيها البحث العلمي ولايقتطع له جزء كاف من ميزانية الدولة، يضطر فيها النابهون والراغبون في تحقيق طموحاتهم العلمية اللجوء إلى الخارج. أما البحث العلمي في جامعة البحرين فيمكن تشبيهه بالرضيع المضيَّع، فلا هو يستطيع أن يدل على أهله أو على كفاءاته، ولا أهله مهتمون بالبحث عنه أو الدعاية له. والحق أن الجامعة تضم مجموعة من أصحاب الكفاءات العلمية العالية من البحرينيين والذين تقاعد عدد كبير منهم في الفترة الأخيرة، ومن غيرهم كثر. ولا عجب في ذلك فغالب المتفوقين دراسياً في البحرين، إمَّا تجدهم في السلك الطبي، أو في السلك الأكاديمي المتمثل في جامعة البحرين بشكل خاص، وفي الجامعات الخاصة بشكل عام.
وتذكر إدارة الجامعة في صفحتها الإلكترونية أن نصيب البحث العلمي في الجامعة يفوق 3 ملايين دينار أي أكثر من 7% من ميزانية الجامعة، وظني أن مثل هذا الرقم يكتنفه كثير من الغموض، وقد تمضيها المؤسسات التقييمية كاليونسكو مثلاً، ولكن ينفيه المنطق، حيث تضم الجامعة عشر عمادات ونحو 32 قسماً أكاديمياً، وهذا دون احتساب كليتي العلوم الصحية والمعلمين اللتين تعملان وفق ميزانية منفصلة إن لم تكن أدمجت في ميزانية الجامعة، وعدد ليس بقليل من الإدارات المساندة مثل الصيانة وشئون الموظفين والمشتريات وتقنية المعلومات والعلاقات العامة، وغير ذلك. وجميع تلك الهيئات أكبر بكثير من عمادة البحث العلمي الذي لايتعدى حجمه طابقاً واحداً في مبنى صغير في الجامعة.
فلو أن كل واحدة من تلك لزمتها 3 ملايين دينار سنوياً – كما هو الحال لعمادة البحث العلمي – للزم الجامعة ميزانية تفوق مائة مليون دينار! كما أن المردود العلمي الناتج من تلك الميزانية، لايوحي بوجود مثل تلك الميزانية، حيث بيَّن تقرير لنائب رئيس الجامعة نشر ١١٣ بحثاً في مجلات علمية، ويعد ذلك ضئيلاً جداً بالمقارنة مع عدد الأكاديميين، ولم تتلق جُلُّها أي دعم مادي في إجرائها. ولو افترضنا أن مثل ذلك الرقم اقترب من الصحة، فيمكن تشبيهه بالمعونات التي تدفعها كثير من الدول للأمم المتحدة لمساعدة المنكوبين، حيث يذهب نحو نصف تلك المبالغ أو قريباً منه في مصروفات إدارية وسكن وفنادق ورواتب.
وبالمثل فإن للبحث العلمي عميداً ورؤساء أقسام أو مديرين ومراسل وسكرتارية، وغيرهم يبلغ عددهم ٣٨ شخصاً، علاوة على المصروفات المتعلقة بتشغيل المباني، والسفرات وإن كانت محدودة، وكل ذلك يستغرق جل ميزانية البحث العلمي في الجامعة دونما نتائج ملموسة ومؤثرة في المجتمع العلمي. ولا يتبقى إلاَّ نحو 120 ألف دينار للدعم المباشر للمشروعات العلمية، وذلك وفق ما هو مرصود في ميزانية الجامعة المرفوعة إلى وزارة المالية، ولاتتعدى نسبتها نحو 0.28% من ميزانية الجامعة.
والحق أن المبلغ الفعلي دون ذلك. وبعد كل ذلك، إن صح المبلغ المذكور في موقع الجامعة، فإلغاء العمادة أجدى؛ لعدم تحقيق النتائج المرتقبة للبحث العلمي، ومن ثمَّ الاكتفاء بأستاذ واحد يقوم بكل ما يتعلق بالبحث العلمي وتوزيع مثل تلك الميزانيات على الأقسام لغرض البحث العلمي الحقيقي والمباشر، ولاسيما الأقسام النشطة علمياً. وذلك مما يوفر بعض الميزانية للبحث العلمي.
ووقفة مع المبلغ الزهيد المخصص لدعم البحوث العلمية – الذي هو دون 120 ألف دينار – المتوزع على 28 قسماً أكاديمياً، وعلى نحو 30 إلى 40 مشروعاً، يكون نصيب المشروع في المتوسط نحو ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف دينار. ولا أعرف كيف يمكن لمثل هذه الميزانية الزهيدة أن تسهم في تطوير البحث العلمي. ناهيك عن العمل الكتابي والإداري المرتبط به، فتقرير قبل بدء المشروع، وتقرير كل ستة أشهر أو في منتصف المدة، وتقرير نهائي، وفي كل تقرير مَطالب جمة. ويصرف جزء من تلك الميزانية في كتابة التقارير وللفنيين، ومكافأة الباحثين. ولابأس بمثل تلك الإجراءات إذا ما كانت الأبحاث المدعومة تفوق قيمتها الخمسين ألف أو المائة ألف دينار، كما هو الحال في الجامعات العريقة. ومن هنا يزهد الأساتذة المتميِّزون – أي ممن يحملون درجة برفسور – في البحث العلمي في التقدم إلى مثل تلك المشروعات. مع العلم أن الجامعات المرموقة تفرِّع الأساتذة النشطين للبحث العلمي أو يقومون بتدريس مادة واحدة وحسب.
ووقفة أخيرة مع عمادة البحث العلمي، حيث من البدهي أن يأتي على رأس مثل تلك المؤسسة من له باع طويل في البحث العلمي، ومن يحمل درجة أكاديمية عالية، كأن يكون أستاذاً (برفسور) كما هو الحال في الجامعات المرموقة، أما أن يترأسها ممن هم في المستويات الدنيا من الدرجات الأكاديمية – كما هو الحال الآن – فتلك مصيبة. وبكل بساطة، فاقد الشيء لايعطيه.
ويحق لنا أن نذكر أن الجامعة الأردنية تنفق على البحث العلمي ما يساوي نحو نصف مليون دينار (بحريني) – 1% من ميزانيتها – على برامج البحث العلمي، كما جاء على لسان رئيسها.
وبالقرب منا جامعة الخليج العربي، فقد رفع رئيسها هذا العام ميزانية البحث العلمي إلى 7% من إجمالي ميزانية الجامعة. ورغم محدودية عدد الأكاديميين فيها بالمقارنة بجامعة البحرين، فإن 22 باحثاً من أكاديمييها شاركوا بأوراق عمل في مؤتمرات. وهو على نقيض جامعتنا الرشيدة التي أوقفت مشاركة الأكاديميين في المؤتمرات الدولية بأوراق عمل، إلاَّ إذا ما قام الأستاذ بدفع جميع تكاليف المؤتمر بنفسه! وقام بتعويض الأيام التي يغيبها من الجامعة، وكأنه ذاهب إلى متنزه.
وفي المقابل لم توقف الجامعة مشاركة إدارييها في الاجتماعات الخارجية في مختلف أصقاع الأرض. وعلى كل حال لم تكن الجامعة تدفع سوى مبالغ ضئيلة لمن يشاركون في المؤتمرات العالمية المُحكمة لاتتعدى 900 دينار للمؤتمرات البعيدة كأوروبا أو أميركا، ودون ذلك بكثير في المؤتمرات القريبة. ويشمل ذلك المبلغ جميع مصروفات المشارك من تذاكر وسكن وتسجيل. ولا أدري ما إذا كان ذلك مخالفاً لأنظمة ديوان الخدمة المدنية أم لا، حيث إن آلية الصرف لمثل تلك الأمور معروفة، ولاسيما المصروف اليومية لكل فئة، فإن إدارة الجامعة كانت تمضيها. وإذا ما جئت لتناقشهم قالوا إن للجامعة وضعاً خاصاً. ولا أعرف لِمَ هذا الوضع الخاص لايأتي إلاَّ بما هو ضد مصلحة موظفي الجامعة. وحيث إن تكاليف المشاركة في المؤتمرات ولاسيما تلك التي تعقد في الدول الغربية مكلفة، يلزم الموظف بدفع فارق المبلغ من جيبه، رغم أن الوزارات تبعث موظفيها وهم من طلبتنا إلى ذات المؤتمرات وماتزال وتدفع لهم الوزارة أضعاف ما كانت الجامعة تدفعها لأساتذتها.
وبعيداً عن كل ذلك، عندما أراد رئيس جامعة القاهرة د. حسام كامل رفْع ترتيب جامعة القاهرة ضمن تصنيف شنغهاي، قام بزيادة ميزانية البحث العلمي من 80 مليون جنيه إلى 120 مليون جنيه. وللعلم فإن مجموع ما يصرفه الكيان الصهيوني – المحتل للأراضي الفلسطينية – عبر البحث العلمي يبلغ 3.4% من مجموع دخله (القومي). وتعادل تلك النسبة ما تنفقه الدول العربية جميعها وفق ما تحدث به رئيس جامعة القاهرة.
وكنت في السابق أشارك في سلسلة مؤتمرات مهمة متعلقة بسلوك مستخدمي الطرق والنقل، حيث كانت اللجنة المنظمة تنشر مختارات من أوراق العمل في أقوى المجلات العلمية المُحكّمة في الولايات المتحدة الأميركية، ولم يسبق أن رأيت وجهاً عربياً في المؤتمرات تلك سوى مرة واحدة. أما المشاركون من الكيان الصهيوني فلايقلون عن ثلاثة!
وفي ختام هذا المقال لاشك عندي أنه قد ينبري طرف ما للتبرير عن كل ما تقدم ذكره كي يُنَصِّع صفحته أو صفحة من أوعز إليه بالرد. والحق أني كتبت هذه الوريقات إبراء للذمة، فلعل أحد المسؤولين الغيورين يعمل على تصحيح الطريق الذي يبدو لي مظلماً، كي لايأتي من هم من بعدنا ولايجدون أثر زرْعنا، ويتحسر على ما ضيَّعه الأولون في حق جامعتهم الوطنية. ولعل من الإنصاف أن أذكر – ليس تملقاً – أن الرئيس الحالي مجتهد في إرجاع الجامعة إلى جادتها كما بلغني، فهل يا ترى يعان كي لايلج النفق المذكور في مقدمة المقال. والله من وراء القصد.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com