مؤامرات سياسية.. ما قبل الاستيلاء وما قبل النكبة

إن أطماع الغرب في فلسطين قديمة العهد لِما يمثّله موقعها الجغرافي من أهمية استراتيجية اقتصادية وعسكرية ودينية، وقد كانت بريطانيا على رأس الدول الاستعمارية الطامعة في السيطرة على المنطقة، وازداد اهتمامها بشكل خاص في أعقاب احتلالها للهند في القرن السابع عشر حيث ازدادت رغبتها في السيطرة على المنطقة العربية بشكل أكثر مباشرة رغبة في تأمين مصالحها وحماية طريقها إلى الهند.
ارادت بريطانيا بسط نفوذها من خلال تكوين مستعمرة لها يمكن أن تحقّق – إلى جانب التخلّص من مشكلة اليهود في بريطانيا وتحويل الهجرة اليهودية من شرق أوروبا إلى فلسطين بدلاً عن غربها وخاصة بريطانيا – ضمان وجود حاجز بشري يحول دون قيام دولة عربية موحَّدة في المنطقة، كما ساهم شقُّ قناة السويس ثم احتلال بريطانيا لمصر في النصف الثاني من القرن الـ19 في تعميق التفكير الاستراتيجي للساسة الإنكليز بالنسبة لأهمية فلسطين وضرورة السيطرة عليها، وهو ما زاد الحماس لفكرة إقامة مستعمرة يهودية في فلسطين.
وفي سبيل تحقيق هدفها قامت بريطانيا ببحث الكثير من الأفكار والخطط الرامية إلى توطين اليهود في فلسطين، حتى قبل أكثر من قرن من الزمان على قيام الحركة الصهيونية، بل يمكن اعتبار بريطانيا المُلهِم والداعِم لتبلور هذه الحركة، ويبدو ذلك جلياً من استعراض بعض ما قامت به بريطانيا في هذا الشأن.
وقد تشكلت السياسة البريطانية من خلال رؤيتين:
1/ رؤية دينية
2/ ورؤية استعمارية
الرؤية الدينية كان يمثلها اللورد شافتسبري وهو أبو عقيدة توطين اليهود في فلسطين The restoration of Jews كما قال الكاتب والأكاديمي اليهودي آلان بابيه في كتابه (التطهير العرقي في فلسطين). وقال عن بالمرستون الذي كان وزير خارجية بريطانيا ومن ثم رئيس وزرائها والذي يمثل السياسة الاستعمارية البريطانية أنه أبو الاستعمار. وبالمرستون هذا عُرِف عنه أنه كان في معظم تصريحاته واتصالاته يبدي تعاطفاً محموماً مع اليهود، وكان قد كتب رسالة في 17 نوفمبر 1837 إلى بونسنبي السفير البريطاني في إسطنبول أوضح له فيه أهمية أن تكون لبريطانيا قنصلية معتمَدة في القدس ترعى مصالح بريطانيا السياسية وتحمي اليهود في الوقت نفسه، وأن يعيَّن لها قنصل بريطاني. وقد عُيِّن لاحقاً المدعو وليام يونج نائب قنصل في القنصلية البريطانية المقترَحة وأصبح فيما بعد قنصلاً عاماً عندما افتتحت القنصلية في القدس فعلاً عام 1838.
وفي نهاية عام 1838 كتب شافتسبري والذي كان يوسم زوراً بأنه مصلح اجتماعي وكان رئيس حزب الإنجليين وكان اليهود أحد الموضوعات الاساسية في فكره وكان يعتقد بعودة اليهود إلى ما يتوهمونها أرض الميعاد المذكورة في التوراة، كتب إلى بالمرستون مذكرة من 40 صفحة استند فيها إلى ما توهمها (حقائق) دينية توراتية بوجوب إعادة اليهود إلى فلسطين، كما تحدث بإسهاب عن سوريا الكبرى وقال عنها «إنها بلد بلا شعب في حاجة إلى شعب بلا بلد!».
ومن هنا صاغت الحركة الصهيونية شعارها الشهير الكاذب (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض). وعرض اللورد شافتسبري مشروعاً على الحكومة البريطانية بأنْ تتبنى الحكومة عملية تنظيم هجرة اليهود ونقلهم إلى فلسطين والدعوة لإقامة كومنولث يهودي في أية بقعة من الأرض كانت تشغلها (الدولة) العبرية القديمة في فلسطين. وقد عزز تنظير شافتسبري أن حافز بريطانيا لاحتلال فلسطين كان كبيراً ومبنياً على مصالح سياسية واقتصادية وكانت الفكرة جاهزة وبحاجة للتنفيذ.
وقد رافق هذا الحماس والنشاط حملة صحفية بريطانية هدفت إلى الترويج لـ(أماني اليهود في إقامة وطن لهم في فلسطين بدعم وتشجيع من بريطانيا). ومن حينها بدأت سياسة التنظير والحشد لحملة صليبية سلمية للسيطرة على فلسطين بالمشاريع الاقتصادية وشراء الأراضي والعمل الاجتماعي والتبشير لا بقعقعة السلاح كما حصل في العصور الوسطى، وتبنَّت فكرة إعادة اليهود إلى الأرض الموعودة لهم في التوراة تحت عنوان (هلِّلي يا بريطانيا) أن القدَر اختارَك لإعادة اليهود المهمَلين والفقراء في الشتات إلى (ديارهم)!
وفي عام 1865 أنشأ اليهود البريطانيون ما أسموه (صندوق استكشاف فلسطين Palestine Exploration Fund)، كانت الغاية منه إقامة نشاط زراعي معلوماتي تمهيداً لتشجيع هجرات استيطانية للإقامة في فلسطين.
وسار على هذا الخط المنظِّرون الألمان والفرنسيون والروس، فيما طرح لورنس أوليفانت الإنجليزي في عام 1880 مشروع توطين اليهود بجنوب سوريا، فقد كان يرى ضرورة إنقاذ الدولة العثمانية من مشاكلها المستعصية، حتى كانت تقف حاجزاً ضد التَّوَسُّع الروسي. ويمكن أن يتم ذلك عن طريق إدخال عنصر اقتصادي نشط في جسدها المتهاوي، ووجد أن اليهود هم هذا العنصر. ولذلك دعا أوليفانت بريطانيا إلى تأييد مشروع توطين اليهود لا في فلسطين وحسب وإنما في الضفة الشرقية لنهر الأردن كذلك، وإنشاء خط حديد يربطها مع حيفا ودمشق ومصر، وسماه (أرض جلعاد مع نزهات في جبل لبنان). وحظي هذا المشروع بموافقة وزير خارجية بريطانيا آنذاك وهو المدعو اللورد سولزبري ورئيس الوزراء البريطاني (اليهودي الأصل) المدعو دزرائيلي، وتبناه رجل مال وأعمال يهودي يدعة إدموند روتشيلد الذي تعاون مع الجمعية الموسومة (أحباء صهيون) على تنفيذ الاستيطان اليهودي في الجولان.
وفي العام 1915 قدِم يهودي آخر بريطاني الجنسية يدعى هربرت صمويل والذي اصبح بعد ذلك في عام 1920 أول مندوب سام بريطاني في فلسطين، وبعث إلى الحكومة البريطانية مطالباً إياها بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وأن المجال بدا سهلاً ومفتوحاً امامهم لتهجير اليهود إلى فلسطين، ولكن لم تكن الطبخة جاهزة في ذلك الحين حتى العام 1917.
وتابعت الحكومة البريطانية ووزراؤها وقناصلهم تنفيذ أطماعهم الاستعمارية تحت ذريعة إنقاذ فلسطين مما تعاني منه من خراب وعزلة وتخلُّف، وأن بريطانيا تنوي إحلال شعب قادر على الإصلاح والعطاء وقادر كذلك على أن يجعل منها جنات عدن!
وعلى أرضية هذه الحقائق التاريخية والأدوار القذرة التي لعبتها بريطانيا ورجالاتها منذ بداية القرن التاسع عشر لحماية اليهود وتشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين، بنَى اليهود وبالذات قادة الحركة الصهيونية التي وجدت مناخاً مناسباً لأطماعها في إيجاد وطن بديل للشتات اليهودي، على مبدأ أن إنقاذ اليهود إنسانياً ودينياً وسياسياً شكل حافزاً قوياً لقوى الاستعمار الأوروبي للدفع بمشروع (وطن قومي) لليهود وتمكينهم من فلسطين.
كنت أسمِّي هذه الخطوة عن دور المؤامرات قبل وعد بلفور مرحلة (التنظير) أولاً، ثم بدأ الحشد بالتشجيع على هجرة اليهود التي بدأت من العام 1882 إلى العام 1892 وهي الهجرة الأولى وتبعتها هجرات أخرى. ومع بداية القرن العشرين بدأ التخطيط العملي والإعداد الجدي لمنح فلسطين لليهود الصهاينة.
هذا التأسيس الخبيث والأفكار المسمومة المطروحة هي التي أرست لِما جاء في تصريح المدعو بلفور «الذي أعطى ما لايملك ألى من لايستحق»، وأن الشعب الفلسطيني هو مجرد طائفة لها حقوق مدنية ودينية ولايملك الأرض مع أن الشعب الفلسطيني كان يمثل 98% من نسبة السكان.
وعن قصص التآمر على شعبنا التي أوصلتنا لنكبة 1948 أُكمِل لاحقاً.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com