حول تقرير منظمة العفو الدولية ليست صيدنايا وحدها بل سورية كلها مسلخ بشري

لم تأت بجديد الرواية المُرَوِّعة لتقرير منظمة العفو الدولية عن المسلخ البشري في سجن صيدنايا خلال خمس سنوات من عمر الثورة السورية. فكل ما روته ووثَّقته المنظمة الموقرة مكرور ومعروف وموثَّق ومشهور على مدى نصف قرن من عمر السوريين. بل معروف وموثَّق ومشهور ما هو أبشع منه وأكثر وحشية.
وسجن تدمر، وسجن صيدنايا، وفرع فلسطين، وكفر سوسة، والشيخ حسن، وكل غولاغ المسالخ البشرية على الأرض السورية، حالة واحدة قائمة مستمرة يعرفها السوريون واللبنانيون والفلسطينيون على السواء. وكل الذي روته المنظمة الدولية مشكورة، يوثِّق السوريون ما هو أفظع منه في الطول والعرض والعمق والارتفاع والكتلة والحجم والأثر.
المهم الأول الذي نريد أن نؤكده في التعليق على هذا التقرير، أو على هذه الجرائم التي تصنَّف بالمعايير الحقوقية الدولية تحت عنوان (جرائم ضد الإنسانية)؛ هو أنها تتم بعلم كل القوى والمرجعيات الدولية النافذة، وبتواطؤ بعضها ومشاركتها، على مدى عقود طوال. وتشهد واقعة المواطن الكندي من أصل سوري (ماهر عرار)، الموثَّقة حقوقياً في المحاكم الكندية: أن إحدى الدول التي تدَّعي السَّبق والرعاية لمواثيق حقوق الإنسان في العالم، كانت تستخدم هذه المسالخ البشرية، حسب تعبير المنظمة، لتحقيق مصالحها وأغراضها، في تعذيب البشر، وكسر إرادتهم. وانتزاع اعترافات كاذبة مسيسة منهم.
أربعة عقود وحافظ وبشار الأسد يديران هذه المسالخ، ليبقى ما روته المنظمة الموقرة، غيضاً من فيض، وقليل من كثير. أربعة عقود وبعض دول العالم تغُضُّ النظر وتصمت بل وتمَكِّن وتشارك وتدعم، فما هو جواب أدعياء شرعة حقوق الإنسان بعد؟!
المهم الثاني هو أن تداعيات هذه السياسات بكل قسوتها وعنفها وتوَحُّشها ولا إنسانيتها لن تكون كما يقدر المعوِّلون عليها. ولن تنتصر الكراهية والعنف على الحب والسلام. والذين يبذرون الشوك لن يجنوا غيره. وأن يكون لهم دور في التصدي للجريمة أولى بهم من الانغماس فيها. إن الأخذ على أيدي الإرهابيين الحقيقيين هو البداية الصحيحة للخروج من دوامات الإرهاب ولجاجات القتل والعنف.
المهم الثالث هو رجاؤنا أن تكون الرسالة التي يرسلها التقرير الحقوقي لمنظمة العفو الدولية بكل ما ينضح به من همجية وتوَحُّش وقسوة وعنف شاهداً مقنعاً لكل هؤلاء الذين يصرون على أن يدخل السوريين في شراكة سياسية مع مرتكبي الجريمة هؤلاء. أن الشراكة مع المجرمين هؤلاء هو جريمة بحد ذاته. ففي سجن صيدنايا، وكذا في كل سجون النظام، لايوجد غير إرهابي واحد فقط، هو بشار الأسد وأدواته.
في التقرير الشاهد، لايمكن التهرب من هذه الحقيقة، ولايمكن الادعاء أن الذين يرتكبون الجريمة (إرهابيون) جاءوا من أقطار الأرض. في سجن صيدنايا وفي كل السجون السورية على مدى أربعة عقود كان الحاكم الأوحد هو الأسد وفصيله، فقط الأسد وفصيله، ولا أحد غير الأسد وفصيله؛ فعن أية شراكة مع هؤلاء الوحوش البشرية يتحدثون؟!
المهم الرابع الذي نريد أن ننهيه لكل أبناء شعبنا ولكل أبناء أمتنا ولكل بني الإنسان: إن رسالة تقرير المنظمة الموقرة يجب أن يزيدنا عزيمة وتصميماً ومضاء لإسقاط نظام الجريمة هذا، والتصدي له، ولايجوز أن تتحول رسالته، على هول وفظاعة ما فيها، إلى مبعث خوف ووهن ويأس. إن رسالة التقرير الرهيب هي الدعوة الصادقة لكل البشر ليتوحدوا في مسعى صادق للقضاء على الجريمة والمجرمين. هي التأكيد على مشروعية الثورة والثوار، وضرورة استمرارها حتى تحقق أهدافها، والتحذير من التواني والتخاذل والاسترسال مع المسترسلين.
المهم الخامس هو أربعة عقود مضت علينا، وقد كتب الله لنا النجاة من براثن المجرمين، ظللنا نعيش المحنة بكل أبعادها مع الأخوات والإخوة مع البنات والأبناء المعذبات والمعذبين. أربعة عقود نتلقى معهم وقْع السياط، ولسعات الكهرباء، نرتقي معهم منصات الإعدام. خمسة عقود والزفرة حرَّى، والعين دامعة، والقلب كليم، والضمير مثخن. ليبقى عهدنا مع ربنا ثم مع كل أخواتنا وإخواننا عهد بر ووفاء، ولن نغير ولن نبدل، ولن يشغلنا شاغل عن نصرتهم، ولن يصرفنا صارف عن مشروع حرية الإنسان وكرامته في وطننا، وفي كل مكان وفي كل آن.
المهم السادس رسالتنا إلى كل السوريات المعذبات والسوريين: «وَلاَتَهِنُوا وَلاَتَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ». والله اكبر. والله معكم، ولن يَتِرَكُم أعمالكم.
المهم السابع.. طوبى لمن اتخذه الله شهيداً، طوبى لمن اختاره فامتحنه واجتباه. وبؤسى للذين غيَّروا وبدَّلوا وضيَّعوا واستأثروا؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com