حياتنا الاجتماعية بين البوستات والسيلفي!

افتقدنا حياتنا الاجتماعية.. نعم افتقدناها وأصبحت علاقاتنا وحياتنا إلكترونية بحتة، نعم فهي وسائل تواصل إلكترونية وليست اجتماعية! (الواتساب والسناب شات والإنستغرام والفيسبوك والتويتر).. كلها وسائل تَواصُل إلكترونية متطورة وحديثة وبديلة عن الإيميلات والمنتديات ومواقع الشات التي كان بعضنا يستخدمها سابقًا، هي فقط عملية استبدال وتطوير لوسائل التواصل الإلكترونية القديمة السابقة بأخرى أفضل وأشمل وتواكب عصر الحداثة والعولمة والانفتاح الذي نعيشه.
لكن يستوقفني مسمى وسائل التواصل (الاجتماعي) حين يطلق على مثل هذه التطبيقات الإلكترونية أو غيرها؛ لأنني لا أرى فعلاً أنها وسائل تسهم في التواصل الاجتماعي بل على العكس تمامًا، إنها تستخدم حاليًا وببالغ الأسف للابتعاد عن الحياة الاجتماعية التي كنا نعيشها قبل عقد من الزمان على الأقل، عن الحياة التي كنا نتواصل فيها اجتماعيًا وبصورة واقعية قبل أن نحصر أنفسنا وبأنفسنا في عالم اجتماعي وهمي لا صلة له بالواقع.
نحن متفقون على أن لكل اختراع جوانب سلبية وإيجابية، وعلى الفَطِن منا أن يستخدمها خير استخدام ويستغلها خير استغلال، ولاشك عندي ولا خلاف في ذلك وليس هذا ما أرمي الوصول إليه هنا، فموضوعي الأساسي هنا هو ابتعاد أغلبنا عن واقعِه وعن حياته الاجتماعية، سواء مع أسرته، عائلته، أصحابه، زملائه أو مع مختلف وعامة الناس. فقد أصبح معظمنا – وليس جميعنا – مبتعدًا كل البعد عن صلة الأرحام، وعن زيارة والديه أو أقاربه، وأصبح لايُرى ولايشاهَد إلا عبر (البوستات) أو (صور السيلفي)، فيصَبِّح عليهم ويمَسِّي بصورة، أو برودكاست أو صورة سيلفي وهو ذاهب إلى عمله صباحًا في السيارة.
نعم، هذه الحياة الاجتماعية التي أوصلتنا إليها هذه التطبيقات، فعندما تسأل شخصاً: متى رأيت والدتك آخر مرة؟ يجيبك: للتو كنت أراسلها وتراسلني عبر الواتساب! وهو لم يزرها منذ أسبوع وبالكاد يفصل بين منزله ومنزل والديه بعض كيلومترات! معتقدًا بأن ما يفعله هو تواصل اجتماعي وصلة للرَّحم كما أوصانا ديننا الإسلامي ورسولنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما وصَّانا ببر الوالدين. والبعض الأخر، يسابق الجميع بعمل أول (لايك) لأية صورة يضعها والده في الإنستغرام وهو يشعر بالفخر والاعتزاز رغم أنه لم يرَ والده منذ أيام وهو يعيش معه في منزل واحد!
أمثلة عديدة ومريرة لا أود ذكرها هنا، إنما بإمكانكم ملاحظتها بشكل كبير بينكم وتدعونا للنظر من بعيد والتفكير قليلاً بما ستجرنا إليه هذه التطبيقات ووسائل التواصل الإلكترونية من هجران كبير لفطرتنا البشرية التي تدعونا للحياة الاجتماعية والتقارب والتآلف مع من هم حولنا، فليس من الطبيعي وليس من الفطري أنْ يكتفي الأخ بتهنئة أخيه بالعيد عبر صورة يرسلها إليه بالواتساب أو برودكاست منقول! أين كنا وأين صرنا؟! عندما كنا لانبدأ عيدنا إلا بزيارة بعضنا البعض والسلام والتهنئة والتقبيل والعناق، أصبحنا حتى نستثقل أنْ نرفع سماعة الهاتف للتهنئة بالعيد أو بالزواج أو غيرهما مكتفين بهذا التواصل الإلكتروني المقيت الذي وللأسف الشديد تشوبه في كثير من المرات المجاملات والتَّصَنُّع.
إنه تواصل اجتماعي مزيف يا بشر، إنها أبدًا ليست بدائل صحيحة وليست بدائل كافية لأنْ نبتعد عن حياتنا الاجتماعية بحجة ضيق الوقت أو عدم التفرغ أو كثرة المسؤوليات والالتزامات! فنحن مَن جعلنا من هذه الوسائل تسيطر علينا وعلى حياتنا وتفكيرنا، فأضعنا بها أوقاتنا وأولوياتنا وتجرُّدنا من مسؤولياتنا نحو أُسَرِنا ومجتمعنا بل حتى عن تربية أطفالنا، فصار أطفالنا لايشاهدون إلا أعناقاً منكسرة تستغرق فترات طويلة وهي تنظر أو تراسل عبر هواتفها! بدلاً من أن يجدوا آباءً وأمهات يحتوونهم ويفَرِّغون أنفسهم لتربيتهم لا أنْ يرموا عليهم جهاز الآيباد طوال اليوم لتجنُّب إزعاجهم!
أهمل البعض صلواته كما أهمل البعض عباداته وطاعاته التي تعوَّد عليها كقراءة القرآن الكريم وصلوات النافلة وقيام الليل والذكر والتفتوا إلى (قروبات) الواتساب لتَنَاقل الأخبار (الإشاعات) أو النكت أو غيرها في تضييع أوقات ثمينة كوقت السَّحَر، بل حتى أنني رأيت وبأم عيني شابًا في العشرينات من عمره لم يرفع رأسه من الهاتف طوال خطبة الجمعة! إلى أن أقيمت الصلاة! بالله عليكم إلى أين سيصل بنا الأمر؟! حتى في مجالسنا الاجتماعية أو العائلية التي لانتجمع فيها إلا مرة في الأسبوع، صارت مجرد لقاء، يتبعه سلام، ثم كل يأخذ زاويته المحببة – إلا ما ندر – ليغوص في عالمه الافتراضي الوهمي ليتواصل اجتماعيًا كما يعتقد مع أصدقائه أو معجبيه الافتراضيين!
والخوف كل الخوف من الجيل القادم الذي يلي هذا الجيل، فلاشك أن القادم أدهى وأمَر إذا استمر الحال على ما هو عليه، فستنضب علاقاتنا وتجف ولاندري ما الذي سيؤول إليه الأمر وكيف ستكون علاقتنا بعد 10 سنوات قادمة من الآن!

سهم في الرأس

الكلام السابق لاينفي إيجابيات وسائل التواصل الإلكتروني، لكن لاتجعلوها أغلى من قبلة على رأس الوالد أو على كف الوالدة، ونصيحتي.. أغلِقوا هواتفكم قبل أن تجلسوا معهم واشعروا بالفرق.. جربوها.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com