حين يبتعد التعليم عن التربية.. تكون النتيجة..!

رأينا منذ أيام مقطع فيديو انتشر بشكل كثيف بوسائل التواصل الاجتماعي، تظهر فيه مجموعة من الأطفال المتنمِّرين وهم يضربون طفلاً آخر بزي المدرسة، مما جعل الكثيرين يُبدون استياءهم ونفرَهم من هذا الفعل المشين، ونشرت على إثره الجهات المعنية بياناً يفيد بإحالة الأطفال المتنمِّرين الذين ظهروا في المقطع إلى التحقيق. لكن دعونا نتحدث قليلاً عن هذه الظاهرة (ظاهرة التَّنَمُّر) التي وُجِدت منذ سنين في مدارسنا الحكومية.
بطبيعة الحال في أي مكان تتواجد فيه مجموعة من الطلاب أو البشر يحملون خلفيات وثقافات مختلفة ومتنوعة لابد من حصول تصادم فكري أو ثقافي فيما بينهم، لكن متى ما آلت الظروف لتَنَمُّر طرف على آخر فإن ذلك ما يستوجب الوقوف لبرهة لدراسة الحالة.
إن التَّنَمُّر بأشكاله المختلفة ما هو إلا نتيجة للجو الذي يعيشه الطالب في بيئته، وسط أسرته ومحيطه وبين أقرانه، ومتى ما خلت تلك البيئة من فرص التعبير عن الذات والشخصية وامتلأت بالكبت، صارت النتيجة بحث الطفل عن متنفَّس يثبت من خلاله وجوده وشخصيته مهما كانت الطريقة خاطئة، ومن المحتمل أن يكون الطالب المتنمِّر قد ذاق ما ذاق من عقاب ومعاملة سيئة من قِبَل أخي له أو قريب أو حتى والده، فاختار أن يُخرِج طاقته عن طريق التَّنَمُّر والضرب ظناً منه أنه بتلك الطريقة يأخذ حقه!
هذه الظاهرة تندرج تحت مسمى (الإرهاب)، وربما قد يستبعد بعضكم الآن ربط التَّنَمُّر بالإرهاب لِما يحمله الأخير من ضخامة في الحجم، ولكني لم أجد وصفًا أكثر دقة من تلك الكلمة، ففي الحالتين هناك ضرر وضحية مهما كان عمر المعتدي أو نوع الاعتداء.
إن ما يساهم في نمو مشكلة التَّنَمُّر هو إهمال الوالدين والتربويين والمشرفين في المدارس، وكذلك وزارة التربية والتعليم، التي أخذت على عاتقها مسؤولية التربية قبل التعليم ووسمت نفسها بذلك.
التربية ثم التعليم، هذا ما أوصلته لنا المدرسة منذ نعومة أظفارنا، لكن كيف تسمى الوزارة المسؤولة عن التعليم في البحرين باسم: وزارة (التربية) والتعليم، وهي حتى الآن لم تستطع إيجاد حل لوقْف أو تقليل ظاهرة التَّنَمُّر في المدارس، وهي التي تتعلق بالتربية التي تسبق التعليم في الأهمية؟ بل وكيف سترسل الأم التي انتظرت ربما عشرات السنين لكي ترزق بابنها فلذة كبدها إلى تلك البيئة ليذوق مختلف أشكال العذاب وربما يعود بضرر لايشفى منه مدى الحياة!
في هذه المشكلة هناك أطراف عديدة تتحمل المسؤولية، أولاها الأسرة، لبنة المجتمع الأولى وعمود الأخلاق، ثم المدرسة والوزارة التي يجب أن تقضي على هذه الظاهرة كيفما كان، وتبدأ بالتوعية وفرض عقوبات للمتنمِّرين ليكُفُّوا عن تلك الأفعال ويشعروا بأن هناك نتائج لأفعالهم قد تمتد لسنوات، ثم الأطفال المتنمِّرون الذين يحتاجون إلى توعية وتخويف من نتيجة أفعالهم وخصوصاً تلك التي تتعلق بالتنمُّر وإحداث ضرر سواء في المرافق العامة أو بحق أقرانهم في المدرسة، وذلك ما يجعلنا نتساءل بشكل جدي: ما فائدة التعليم إذا خلا من التربية التي تسبقه؟!
إن علاج التَّنَمُّر بشتى أشكاله يحتاج كخطوة أولى للاعتراف بوجوده وعدم نفيه من قِبَل الجهات المسؤولة، ثم نستطيع على إثر ذلك الوقوف على أبعاد المشكلة لوضع كافة الحلول الممكنة ومع تقارب كافة الأطراف ومتابعة حال الطالب أولاً بأول.
نقطة ارتكاز: نداء إلى أولياء الأمور، أعطوا أبناءكم فسحة للتعبير عن أنفسهم، واستمعوا إليهم وأحسِنوا الاستماع وعظوهم، وعلِّموهم أن القوة ليست في العضلات والأجسام ولا في إلحاق الضرر بالآخرين، وتذكروا جيدًا أنكم أنتم مَن تجعلونهم أسوياء أو تخلقون منهم متنمِّرين ينبذهم المجتمع.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com