خيارات تركية أمام إعلان الحرب الأميركية الحروب لاتخاض بالخطابات ولا بالبيانات..!

يبدو أن الدولة التركية قد حوصرت أخيراً في المربع الذي تهربت من استحقاقاته طويلاً، مع أن هذه الاستحقاقات كانت لتكون أقل كلفة بكثير في الأعوام الأولى للحرب التي فُرِضت على المنطقة، وظنها الكثيرون أنها مفروضة فقط على سورية وشعبها وثورته!
ما آل إليه الوضع في تركية بعد اعتماد الرئيس الأميركي ترامب سياسة سلفه بتسليح ميليشيات إرهابية متحالفة معها، سيمتد ليشمل على المدى المنظور كل دول الشرق العربي. إن الذين لم يستمعوا جيداً إلى (بدر قيس الخزعلي) وجيوشه وميليشاته المرخَّصة دولياً، هم المريض الذي لايريد أن يفتح نتائج تحليل المختبر خوفاً مما قد يكون فيه.
بلا تجميل ولا تسويغ يمثل قرار الرئيس الأميركي ترامب إعلان حرب بالوكالة على الدولة التركية. على الدولة التركية وليس على الرئيس أردوغان أو حكومة حزب العدالة والتنمية. هو إعلان حرب مفتوحة على تركية حاضرها ومستقبلها ووحدة أراضيها.
إن الذين يظنون أن الحرائق تسير وفق الخطوط التي يرسمونها لها هم واهمون، وإن الذين لم يدرسوا تاريخهم القومي والوطني، ولم يدركوا أن دولتهم الأم العظيمة، إنما سقطت بفعل تلاعب الدول الغريبة بمكونات هذه الدولة من أرمن وبلغار ويونان ومن ثم من قوميين عرب أيضاً؛ لابد أنهم مفرطون مضيِّعون.
ست سنوات والكثيرون يتحدثون عن الحرب في سورية، والحرب على سورية، وعن الدمار في سورية. وصل إلى سورية كل أعداء المنطقة، وأعداء عقيدتها وهويتها وثقافتها وإنسانها، ولكن المتقاعسين ظلوا يتصرفون، ومايزالون يتصرفون، على أساس أن هذه الحرب إنما تعلَن على سورية وإنسانها، وليس على هويتها ولا على عقيدتها.
ست سنوات وكل النذر والمؤشرات تشير إلى إصرار دولي مبيَّت على عزل دول الإقليم المستهدفة بهذه الحرب مع الشعب السوري. ست سنوات والشعب السوري الحر الأبي الذي كان رأس الرمح في هذه الحرب، يستهدَف من أعدائه بالتشويه والاتهام والتشويش على مطالبه العادلة، ويحاصَر من شركائه التاريخيين، وشركائه بالاستهداف بتصديق قول الشانئين، وبالمزيد من الإضعاف والخذلان، فكم أطاعوا في هذا الشعب الحر الأبي قول دول العدوان؟! كم حرَموه من سلاح يدفع به عن نفسه، كم اتهموه أنه وأنه وأنه.
واليوم حانت لحظة الحقيقة، فهذه الولايات المتحدة الأميركية تتحالف جهرة مع مليشيات مصنَّفة على مستوى مجلس الأمن أنها إرهابية. مليشيات تحمل مشروعاً تفتيتياً لتركية كما لسورية على السواء. مليشيات قتلت من الشعب التركي الشقيق على مدى العقود الماضية قريباً من خمسين ألف شهيد مدني بريء. مليشيات لم تقنعها كل التقدمات الحقوقية المدنية والسياسية التي بذلتها الدولة التركية على طريق بناء مجتمع السواء المدني الموحد.
الولايات المتحدة وهي الدولة البعيدة عن المنطقة جغرافياً وثقافياً وسياسياً تتخذ قرارها بتسليح أدوات القتل والتمزيق هؤلاء بعيداً عن رؤية دول المنطقة وقرارها، وهو الأمر الذي ترددت هذه الدول في مثله طويلا وماتزال أمام الجيران وإخوة العقيدة والدم من الشعب السوري.
ولن يجدي أن تظل دول المنطقة واقفة بالباب الأميركي، وكأنه باب الله، فالرئيس الأميركي إنما استبق زيارة الرئيس أردوغان بقراره، ليقول له إن موضوع اعتماد هذه المليشيات محسوم، وهو خارج جدول أعمال هذه الزيارة. واستباق الرئيس الأميركي إلى إعلان قراره هذا وإعلان جنرالات البنتاغون أنهم مستعجلون في تنفيذه؛ يثبت أن هذا القرار هو قرار الدولة الأميركية وليس قرار الرئيس أو الإدارة الأميركية. هو قرار الحكومة الدائمة في الولايات المتحدة، مما يعني أنه قرار أميركي استراتيجي مثله مثل قرار الولايات المتحدة التحالف مع الصهاينة أو التحالف مع الصفويين، وهذا ما يجعل خطره أكبر، والاستنفار للعمل على إسقاطه أوجب.
ولن ينفع على طريق مقاومة هذا القرار أو مقاومة المشروع الذي يحمله هذا القرار (تقسيم سورية وتركية)، التردد التقليدي بين الولايات المتحدة وبين الاتحاد الروسي، كما حصل في أواخر العام المنصرم، يوم تم التفريط والتضحية بالجميلة البهية حلب. أَسِتانا لن تكون مَخرَجاً، ولن تكون ملجأ. وللتوضيح أكثر يجب أن يُحسَم بوضوح أن هذه المليشيات متحالفة مع الروس كما هي متحالفة مع الأميركيين. محمية من الروس كما هي محمية من الأميركيين. وفوق هذا وذاك هي معتمَدة عند بشار الأسد معمَّدة من قبل الصهاينة المحتلين.
الروس الأميركيون في منطقتنا يبحثون عن أدوات تحارب عنهم، ولذا فإنه من القصور الكبير أن يظن البعض أن الروس والأميركيين يمكن أن يحاربوا عنه!
المعتدون فقط هم الذين يمشون إلى الحرب بإرادتهم وعلى أقدامهم، أو بطائراتهم ومدرعاتهم كما مشى بشار الأسد في فتح النار على شعب أعزل، وكما عدا على شعب سورية الروسي والصفوي من أتباع الولي الفقيه.. الشعوب الحرة لاتسعى إلى الحرب ولاتريدها، ولكن خياراتها تنعدم بلاشك، حين تُعلن هذه الحرب عليها، وحين يسعى الأشرار لسلبها حريتها وكرامتها وهذا ما حصل منذ سنوات مع الشعب السوري ويحصل اليوم مع الدولة التركية بالقرار الأميركي، لمن يريد أن يقرأ أبعاده الحقيقية.
كانت المعركة في سورية منذ اليوم الأول معركة المسلمين ومعركة العرب، وكانت سورية خندق المواجهة الأول. ويومها كان يرد علينا الذين لايعلمون كلما ذكَّرنا بهذا: وهل تريدهم أن يدخلوا حرباً عنك وعن شعبك وعن دولتك وأن يهدروا مقدِّراتهم وأن يقعوا في فخ نُصِب لهم؟!
واليوم ومايزال في القوس منْزِع، ومايزال في خندق سورية الأول مجاهدون مقاومون صامدون يمتلكون إرادة القتال.
يبقى خيار الدول المستهدَفة بالحرب وبالعدوان وبمليشيات الولايات المتحدة الإرهابية أن تكف عن التردد، وأن تحسم خياراتها بتبَنِّي قوى المقاومة بجدية ومصداقية، وبعيداً عن القرار الروسي والقرار الأميركي؛ عليهم أن يفعلوا ذلك ليس دفاعاً عن سورية وثورتها ووحدة أراضيها فقط بل دفاعاً عن تركية ووحدة أراضيها، ودفاعاً عن كل الدول العربية وعن النظام العربي، قبل أن يستدير بدر قيس الخزعلي، وقبل أن يسبق سيف ترامب العذل!

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com