دهاليز التسوية في سوريا

بعد أربع سنوات ونصف تقريباً من اندلاع الثورة السورية، هناك شبه إجماع لدى اللاعبين الدوليين والإقليميين الذين ساهم جزء منهم في وصول الوضع السوري إلى ما هو عليه اليوم من خراب ودمار وقتل، إمَّا نتيجة دعمهم لنظام الأسد وإمَّا نتيجة قرارهم بتعطيل الدعم عن الثوار، على أن الأزمة السورية يجب أن تنتهي بحل سياسي وفق ما نصَّت عليه مبادرات جنيف. حسناً.. لقد سمعنا هذا لوقت طويل، فما المستجد اليوم؟
المستجد أن فريقاً من هؤلاء اللاعبين يرى ضرورة تطبيق هذا الحل مع بقاء الأسد في السلطة إلى حين اكتمال العملية، والفريق الآخر يرى أنه من غير المقبول أن يكون الأسد موجوداً في أية عملية من هذا النوع. وبين هذين الطرحين، تدَّعي واشنطن بأقوالها أنها مع المعسكر الثاني، بينما تبرهن يوماً بعد يوم بأفعالها وممارساتها أنها مع المعسكر الأول!
وينشط اللاعب الأميركي مؤخراً على ما يبدو لاستطلاع مدى إمكانية تحقيق مطلب الروس والإيرانيين في إمكانية إبقاء الأسد شكلياً، دون أن يصرِّح بشكل مباشر أنه مؤيد لمثل هذا الأمر. لكن مجرد استكشافه له يعكس النوايا الأميركية وخاصة عندما يقال إنه من البديهي أنْ لايختفي الأسد بشكل مباشر. ويعمد الجانب الأميركي الى تمويه نواياه متمسِّكاً بمقولة (لا دور للأسد في مستقبل سوريا)، وهي عبارة ذكرنا سابقا أنها مبهَمة لأنها تُبقِي الباب مفتوحاً أمام احتمالات أخرى (دور خلال المرحلة الانتقالية مثلاً)!
وبموازاة هذه المعادلة هناك معادلة أخرى تتعلق بالأولويات لدى هؤلاء اللاعبين. فمايزال هناك قسم منهم يرى أن الأولوية يجب أن تكون لمحاربة (داعش)، وأنه لابد من الاستفادة من (جيش الأسد) في هذه المعادلة، وأن المطروح هو تحالف إقليمي ودولي ضد الإرهاب لايستبعَّد منه هذا (الجيش)، (الذي هو عبارة عن عصابة عائلية حالياً)، بينما يرى الآخرون أن الأولوية يجب أن تكون لإخراج الأسد وجماعته من المشهد. أما الأميركي فهو مع أولوية محاربة (داعش) منذ البداية، لكنه يقول إن الأسد ليس جزءاً من جهود مكافحة (داعش).
ومعظم الضغط الجاري اليوم هو حول هذه المعادلة الأخيرة، أما المعادلة الاولى فيتم التحضير لها ضمن اقتراحات متعددة تُطبخ على نار هادئة بدءاً من الأفكار العامة التي تتضمن (حكومة وحدة وطنية وانتخابات في ظل الأسد وتعديل للدستور)، مروراً بأفكار عن قوائم للقوى المقبولة من الطرفين الموالي والمعارض للمشاركة في حكم انتقالي، وكيفية حماية الأقليات، وإخراج حزب الله من سوريا، وليس انتهاءً بالبحث في الكيفية التي يمكن بها تغيير الرؤوس دون الجسد في ما يسمونه بالمؤسسات السيادية السورية (وكأن هناك مؤسسات أصلاً).
ومحور نشاط هذه المبادرات التي تتضمن كل هذه المعادلات هو الموقف الروسي. ويجري كل هذا التحرك نظرياً تحت عنوان أنه لايمكن تجاهل دور روسيا في القضية السورية، وأنها تبقى العنصر الأكثر تأثيراً على الأطراف المرتبطة بها كالأسد وإيران، وأنه يجب التواصل معها لإقناعها بضرورة تغيير موقفها.
وعملياً، فإن ما يتم حقيقة طرْحه هو استخدام سوريا مرة أخرى كجزرة لاسترضاء موسكو والتوصل معها إلى صفقة ترضيها، كما تم استخدام الملف السوري خلال المرحلة الماضية من قبل إدارة الرئيس الأميركي أوباما كجزرة لاسترضاء الإيرانيين.
والحديث عن تسويات ليس مبشراً بالخير، وخاصة عندما يتم قيادتها من الخارج. ولدينا نماذج عن تسويات إقليمية قيل إنها لتغيير الأوضاع نحو الأفضل، ثم تبين أن هذه التسويات ما هي إلا وصفات لاستكمال تدمير الأرض والشعب والمؤسسات؛ لدرجة أن هذه البلدان لم تعد قادرة على النهوض مجدداً رغم مرور سنوات طويلة على هذه التسويات. والأسوأ من ذلك ان الطرف المستهدَف إخراجه من المعادلة عبر هذه التسويات هو الذي تؤول الأمور إليه في نهاية المطاف مع تحلِّيه بسياسة (الصبر الاستراتيجي) إنْ صح التعبير.
في لبنان، تم توظيف اتفاق الطائف بشكل بشع من قِبَل اللبنانيين والنظام السوري، إذ جرى تطبيقه بشكل انتقائي، وفي النهاية كانت النتيجة أنْ يحكم حزب الله (حليف النظام السوري والإيراني) البلد فعلياً، ويعيد تركيبه من جديد بما يتوافق مع ما يريد ومصالح إيران، وبمعزل عن الاتفاق الذي أصبح مجرد حبر على ورق.
وفي العراق جرى ويجري الشيء نفسه تماماً. البعض قد يقول إن المعطيات الديمغرافية في سوريا لاتساعد على تحقيق مثل هذا الأمر. لا أحب أنْ أكون متشائماً، لكن أقول لاتراهنوا كثيراً على مثل هذا المعطَى.
وخلاصة الموضوع كما قلنا سابقاً، ما يجري الآن من مبادرات لإدارة عملية انهيار نظام الأسد، بحيث يتم التحكم فيها بما يفضي إلى نتائج مدروسة تؤدي إلى ضمان مصالح الأطراف التي كانت سبباً في الخراب منذ البداية (أميركا، روسيا، إيران)، وذلك بمسوغ أنه ما لم يحصل ذلك فسنكون أمام سيناريو يؤدي إلى فوضى تخرج عن سيطرة الجميع.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com