رحم الله الرئيس السبسي

هذا قدرُ تونس. ففي لحظات فارقة من تاريخنا المعاصر تكون هي الاستثناء. في ثورتها الأولى، في انتقالها من عهد إلى ثورة، ومن ثورة إلى استقرار. حدث ذلك في فترات قياسية. والرئيس الباجي قائد السبسي كان استثناءً تونسياً مميزاً، في لحظة تاريخية عربية مضمَّخة بالدماء والمآسي والحروب الداخلية المدمِّرة.
وأياً كانت الآراء حول تاريخ الرجل وتقلباته في مناصب الدولة التونسية في عهدي بورقيبة وبن علي، فإنه حمى – عندما أصبح رئيساً – وطنه وشعبه من السقوط في أتون الحرب الأهلية، التي شملت غالب دول الارتكاز العربي في المشرق والمغرب. وحيَّد الجيش والمؤسسة الأمنية من الدخول في مواجهة الشعب. ورفض في ثبات وطني نادر إغراءات المال الخارجي الحرام مقابل ضرْب المعارضة. وأقام تحالفات متينة مع قوى الشعب في تونس، فسالم الإسلاميين والعلمانيين على حد سواء. وفصل بين متطرفِّي التيارات ودعاة الثأر والتصفيات. وآمن، بعمق، بمبدأ التعايش السلمي بين مكونات المجمتع. فعبر بتونس إلى بر الأمان، وسلَّمها إلى خَلَفه، والتونسيون في أمن واستقرار وإجماع وطني.
ستسألون عن المنجز الاقتصادي؟ الجواب في لغة الأرقام. يكفي حماية العملة التونسية من أن تهويَ إلى عملة هزيلة أمام الدولار المتوحِّش. ويمكننا الخلاف والتحليل على ما قدمه السبسي خلال فترة حكمه، لكن أي منجز من دون حاضنة آمنة فهو بناءٌ على رمل وحرْث في بحر.
رحل السبسي بعدما صنع أمانَ التونسيين وسط محيط متلاطم من الخوف، أماناً يحلم بتحقيق رُبعه ملايين العرب. وذلك إنجاز عظيم، وأي إنجاز.

شظية:

الغياب أحياناً يكون أقوى من الحضور.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com