سبعون عامًا وجرح النكبة مستمر

عندما نتحدث عن نكبة فلسطين، نتحدث عن جرح مستمر منذ التشريد الأول حتى اليوم، نتحدث عن مأساة ومؤامرات ومجازر مختلفة تُرتكَب بحق شعب تخلى عنه الصديق والقريب من أجل عيون (دولة) الكيان الغاصب (إسرائيل) التي أقامها الاستعمار البريطاني بموافقة الأمم المتحدة والدول الغربية كعربون صداقة لحل قضية اليهود، وكأن حل المشكلة اليهودية لايتم إلا على أكتاف وجراحات الشعب الفلسطيني.
ففي عام 1917 بدأت جذور المؤامرة الاستعمارية تتضح معالمها عندما أصدرت بريطانيا على لسان وزير خارجيتها وقتذاك وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917 الذي ينظر فيه بـ(عين العطف) إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، فكان هذا وعد من لايملك لمن لايستحق، ودون علم صاحب الحق، وخلال 28 عامًا من حكم الانتداب البريطاني سنت بريطانيا (القوانين) واتخذت الإجراءات التي سهلت إنشاء هذا الكيان الغاصب من خلال تسهيل الهجرة لليهود إلى فلسطين، حيث كان عدد اليهود عند الاحتلال البريطاني (56 ألفاً) أي 9% من مجموع سكان فلسطين، ليصبحوا في عام 1948 (605،000) يهودي أي 30% من سكان فلسطين البالغ عددهم آنذاك مليوني نسمة، وكان لقرار الأمم المتحدة 181 مساره السلبي في القضية الفلسطينية ككل، حيث قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين.. يهودية تقام على 54% من أرض فلسطين، وعربية فلسطينية تقام على 46% من أرض فلسطين!
وفي 14/5/1948 غادر المندوب السامي البريطاني القدس إلى بريطانيا تمهيدًا لإعلان قيام (دولة) الاحتلال (إسرائيل) في اليوم التالي، ولكن اليهود لم ينتظروا ففور مغادرته عند الساعة الرابعة ظهرًا، أعلن بن غوريون قيام (دولة) الاحتلال، وبعد 11 دقيقة من الإعلان قام الرئيس الأميركي الأسبق ترومان بإعلان اعتراف الولايات المتحدة بقيامها، مما يدل بوضوح على تنظيم الأمر قبل مدة من صدوره.
وبعد إعلان (دولة) الاحتلال خاضت عدة جيوش عربية معظمها غير نظامي في قتال مع اليهود وحققت انتصارات في الجولة الأولى، فتدخل مجلس الأمن بضغط من الولايات المتحدة وفرضت هدنة بحجة فسح المجال للوسيط الدولي (الكونت برنادوت) لإيجاد اتفاق بين الطرفين. والجدير بالذكر أن منظمة أشتام الصهيونية قامت باغتيال برنادوت في(17/7/1948 لأنه أوصى باقتراحات لصالح العرب، فاستغلت (دولة) الاحتلال هذه الهدنة واستقدمت المزيد من المتطوعين اليهود من أوروبا (حوالي 70 ألف متدرب) بالإضافة إلى التزود بالأسلحة المتطورة والمدفعية الثقيلة والطائرات التي شنت عدة غارات على عدد من الدول المجاورة لفلسطين، فانسحبت القوات العربية واحتلت (دولة) الاحتلال 78% من أرض فلسطين، وأصبح وجودها أمرًا واقعًا نتيجة الدعم الدولي، ففُصِل الشعب الفلسطيني عن أرضه وطرد أهالي 531 مدينة وقرية من ديارهم.
ولكن النهم اليهودي المستمر لم يتوقف فقد استطاعت (دولة) الاحتلال مجدداً هزيمة الجيوش العربية في النكبة الكبرى أو حرب الأيام الست في يونيو عام 1967 وذلك باحتلال الضفة الغربية وغزة وبقية الأراضي الفلسطينية التي عرفت بالأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بالإضافة إلى احتلال سيناء ومرتفعات الجولان وجنوب لبنان.
وخلاصة القول إن احتلال فلسطين أغرب سابقة في التاريخ الحديث حيث استوطنت أقلية أرض الأكثرية بدعم سياسي ومالي وعسكري من الخارج، حيث يعيش اليوم أكثر من 70% من شعب فلسطين في المنافي واللجوء، وهكذا يجد اللاجئون أنفسهم في أسوأ حال منذ النكبة، ويُطلَب منهم تحت غطاء السلام أن يُسقِطوا حقوقهم ولاسيما حق العودة إلى أرضهم التي هُجِّروا منها والذي تحميه كل الشرائع والقوانين، فهؤلاء لم ينتظروا أكثر من نصف قرن في الشتات، مقاومين مناضلين صابرين، خارجين من غبار ستة حروب وعدد لايحصى من الغارات والإغارات لكي يقّروا بعدها أنه ليس لهم وطن وليس لهم حق أو تاريخ، وأن هذا كله وهمٌ وخيالٌ كما أراد المتَلَفِّعون بجلد اسمه السلام، حتى أصبح الصائح أن القدس عربية إسلامية مختل العقل أو إرهابي تطارده الأنظمة والحكومات (المحبة للسلام).
وبالمقابل فإنه رغم كل النوائب سيبقى الشعب الفلسطيني مكافحًا لاسترداد حقوقه حتى يعود لأرضه، ففي زمن التهميش والتَّشَظِّي لن يكون للضعفاء مكان في مسيرات الخالدين، أما الذين ارتضوا لأنفسهم العزة والمكانة والعلو العدلي في الأرض فستكتب لهم الحياة، ورحم الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين تحدث عن العزة بقوله «نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام وإذا طلبنا العزة بغيره أذلَّنا».

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com