سجدةٌ في غَيْهَبِ الليلِ

هي سجدة متمرغة مطوَّلة ملتصقة في الأرض تُقبِلها قريبة من الله في ليلةٍ داجيةٍ مظلمةٍ، في سكون وهوادة الليل استرخاء واطمئنان وتصالح مع النفس والذات، إغفاءة ووسن خفيف قليل، وسُهْد واستيقاظ وقرب من رب السماء، أكُفٌّ مرفوعة تناجي وتنادي خالقها، خضوعٌ وانقيادٌ واستسلامٌ وانسياقٌ واتِّباعٌ وثورة بكاء، عَبرات ودمُوع شاردة فائضة، أنين وتألم، وساعة مقضية مقبولة مستجابة ولو بعد حين.
تنبو الأجساد وتتجافى وتبتعد وتتنحى.. لاتلتزم النوم، متلهفة هي إلى الوقوف بين يدي الله لتجري مجاري الدمع من العين بالدموع. قال تعالى: «تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ» السجدة: 16. وقال تعالى: «كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ». الذاريات.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفضل الصيام، بعد رمضان شهر الله المحرَّم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) صحيح مسلم. وقال النووي في شرحه على صحيح مسلم: «فيه دليل لِما اتفق العلماء عليه أنَّ تطوُّع الليل أفضل من تطوُّع النهار، وفيه حجة لأبي إسحاق المِرْوَزِي من أصحابنا ومن وافقه أن صلاة الليل أفضل من السنن الراتبة، وقال أكثر أصحابنا الرواتب أفضل؛ لأنها تشبه الفرائض والأول أقوى وأوفق للحديث. والله أعلم».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم قال (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عُقَد يضرب كل عقدة عليك ليل طويل، فارقُد. فإنْ استيقظ فذكر الله، انحلَّت عقدة، فإنْ توضأ انحلَّت عقدة، فإنْ صلى انحلَّت عقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان) صحيح البخاري. وقال ابن حجر في (فتح الباري): «والذي يظهر أن في صلاة الليل سراً في طيب النفس». ففي قيام الليل في غيهب الليل ساعة مستجابة، ودليله ما جاء عن جابر، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن في الليل لَساعة لايوافقها رجل مسلم، يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة، إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة) صحيح مسلم.
وجاء في سنن أبي داود عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحِمَ الله رجلاً قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأته، فإن أبت، نضح في وجهها الماء. رحِمَ الله امرأة قامت من الليل فصلَّت، وأيقظت زوجها، فإن أبى، نضحت في وجهه الماء).
فكن قريباً من الله يكن الله قريباً منك. قال تعالى: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» البقرة: 186.
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قال: مَن عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقَرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبُّ إليَّ مما افترضت عليه. ومايزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحِبَّه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإنْ سألني لأُعْطِيَنه، ولَئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مَساءته «صحيح البخاري. والله أعلم.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com