سلعة الله الغالية

جاء في صحيح الإمام مسلم أن النبي قال (أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقْسِط متصدِّق موفَّق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفِّف ذو عيال).
الذي يتأمل في الثلاثة الذين ورد ذكرهم في الحديث، يجد أنهم يمثِّلون طبقات المجتمع الثلاث، العليا والوسطى والدنيا، وهي الطبقات الاجتماعية المتعارَف عليها.
ولأن كلاً مُيَسَّرٌ لِما خُلِق له، فقد فتح الله سبحانه لكل مستوى اجتماعي باباً يستطيع من خلاله أن يدخل الجنة. يشتركون جميعاً في أنهم جاهدوا أنفسهم، وخالفوا ما تمليه عليه أحوالهم.
فالأصل في ذي السلطان أنه متسلِّط متكبر، ربما أخذته العزة بالإثم، فظلم وبطَش وسلَب الحقوق، لكنه هنا آثر ما عند الله، فتعامل مع الناس بالعدل والفضل، واضعاً نصب عينيه «اعْدِلُوا هوَ أقربُ للتقوى»، ثم سار بين الناس جابراً للخواطر، مُقِيلاً للعثرات، يده سخية بالعطاء طمَعاً فيما عند الله.
ثم تأتي الطبقة الوسطى والتي ربما تملك القَدر اليسير مما يمكن أن يُنفَقَ في سبيل الله، لكنها تملك قدْراً كبيراً من الأخلاق، فجعلت من الأخلاق بضاعة تُنْفِقها بين الناس، وسارت تبسط الرحمات على عباد الله (وإنما يرحم الله من عباده الرُّحَماء)، بل ربما وجدت من الناس سوءاً فقابلته بالإحسان.
أما الطبقة الفقيرة المعدَمة التي ربما لاتملك قوت يومها، ولا ما تُطعِم به صغارها، فرأت أن أجمل ما تتقرب به إلى الله، هو الاستغناء به عن خَلْقِه، والتَّعَفُّف والتَّكَفُّف عن مدِّ اليد وسؤال الغير «يحسبهم الجاهل أغنياءَ من التَّعَفُّف تعْرِفُهم بِسِيْماهم لايسألون الناس إلحافا).
سبحان مَن فتح أبواب الجنة لعباده على اختلاف إمكانياتهم «لايكلف الله نفساً إلا وُسْعَها)، وفتح على عباده من صنوف العبادات ما يناسب كل طبقات الناس وأصنافهم وقدراتهم «يريد الله أنْ يتوب عليكم».
فهل ندرك هذا الفضل العظيم الذي يتفضَّل به ربنا علينا؟ وهل نعي أهمية استثمار أيام حياتنا القصيرة فيما يفتح لنا باباً إلى مرضاة الله والجنة؟
إنها وصية مُقَصِّر مُتَحَسِّر على فُرَص ضاعت، وأوقات ذهبت، وأجساد ضَعُفت، أنْ نستثمر في الخير ما بقي من أيام، قبل أنْ يأتي يوم يقول فيها أحدنا «رَبِّ ارْجِعُون لَعَلِّي أعمل صالحاً فيما تركت).
قال رسول الله (نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ).
والله من وراء القصد.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com