سوريا.. ضحية التوازنات السياسية الإيرانية

يتساءل كثيرون عن سبب عدم تبَنِّي الرئيس الإيراني حسن روحاني سياسة مرنة تتسم بالانفتاح والحوار البَنَّاء، ويراعي فيها مصالح شعبه، فيما يخص الأزمة في سوريا، كالتي تبناها أثناء مفاوضات بلاده مع الدول الغربية حول الملف النووي، والتي أدت في نهاية المطاف إلى بدء مرحلة جديدة، كانت أول بوادرها رفْع العقوبات الاقتصادية التي كان يفرضها الغرب على طهران.
ويطفو هذا التساؤل، وتساؤلات أخرى شبيهة، في الأفق على أنها أمور غامضة لم يتوقف عندها الرأي العام، لاسيما مع توقع كثيرين أن روحاني كان يملك القدرة على إقناع القيادة الإيرانية بتَبَنِّي موقف أكثر تسامحا وعدم الغوص في أعماق الأزمة السورية.
ومن أهم النقاط التي تثير الاستغراب في هذا الشأن أيضاً، أن جميع المكاسب التي حققها روحاني من توقيعه الاتفاق النووي مع الدول الغربية، لم تعد بالنفع على المواطن الإيراني البسيط، الذي عانى طوال الأعوام الماضية من أوضاع اقتصادية متردية، وإنما كانت مكينة الحرب بالوكالة في سوريا، هي المستفيد الوحيد من رفْع العقوبات الاقتصادية وما أعقبها من الإفراج عن أموال إيرانية كانت مجمَّدة لدى الغرب.
هذا الأمر بالذات تسبب في دهشة كبيرة، ليس فقط عند العامة، ولكن لدى الباحثين والمحللين السياسيين أيضاً. وأنا أرى أن سبب هذه الدهشة، هو الاكتفاء بالاعتماد على نظريات العلاقات الدولية والعلوم السياسية، وعدم إضافة بناء نظام الحكم في إيران إلى المعادلة.
وأرى أن عدم اهتمام روحاني بتنفيذ الوعود الاقتصادية التي أخذها على نفسه أمام شعبه خلال حملته الانتخابية، واللامبالاة التي أظهرها تجاه الأزمة السورية، ينبغي البحث عن دوافعه، في التنافس السياسي على السلطة بين النخب الإيرانية.
فإيران على أبواب انتخابات رئاسية في مايو 2017، فضلاً عن تفاقم مرض الزعيم الديني للدولة الإيرانية علي خامنئي البالغ من العمر 76 عاماً، وورود معلومات عن إصابته بسرطان البروستاتا، رغم سعي دوائر الإعلام في البلاد إلى إخفاء الأمر.
ويرى روحاني أن لديه أحقية للحصول على هذا المنصب، نظرًا لكونه واحدًا من رجال الدين الإيرانيين القلائل، الذين يمتلكون خبرة من الدرجة الأولى حول القضايا الأمنية، فضلاً عن امتلاكه معرفة كبيرة بالعقول الداخلية للقوات المسلحة الإيرانية، بما فيها قوات الحرس الثوري.
ومن الأمور التي تبرر هذه الرؤية أيضًا، هو أن المرشد الحالي خامنئي، كان يتولى منصب رئيس الجمهورية عند وفاة الخميني، المرشد الأول لإيران.
ومن الصعب أن يحسم أي شخص، مَن هو بالتحديد الذي يمكن أن يخلف مكان خامنئي، لكن الوضع سيكون أكثر وضوحًا حال فوز روحاني بفترة رئاسية ثانية في انتخابات مايو المقبل.
ولعل فسْح روحاني المجال لقوات الحرس الثوري، لولوج الحرب في سوريا، يبرر فكرة سعيه لإلهاء القوى المعارضة له من المحافظين والمتشددين، وصرْف طاقاتهم ومعنوياتهم في الحرب، وذلك لقناعته أنهم سيكونون ضده، ولن يؤيدوه لنيل المنصب الأعلى في الدولة الإيرانية.
فكل يوم يرى الإيرانيون أبناءهم واحدًا تلو الآخر، يعودون إلى أرض الوطن محمولين داخل نعوشهم، في خزي وهوان، الأمر الذي يُخفِّض من قوة وهيبة الحرس الثوري في أعين الشعب، وسيجبرهم على تبَنِّي موقف يتسم بالحوار والتصالح وتجنب الحرب في الجبهتين الداخلية والخارجية، حال إقدام روحاني على المنافسة على منصب الإرشاد.
ومن أهداف روحاني من هذه الحملة أيضاً، كسْب ثقة رجال المذهب الشيعي في مدينة قم، وهم يشكلون مركز قوة كبير في إيران، حيث يعتبرون الحرب في سوريا بمثابة مهمة إلهية؛ للانتقام من أحفاد يزيد بن معاوية الذي يعتقدون أنه المسؤول عن مقتل الحسين بن علي.
أما علاقات إيران مع واشنطن خلال فترة ترامب، فمن المتوقع حدوث تغييرات في السياسة الخارجية الإيرانية لتتجاوب مع المستجدات على الساحة الأميركية، لاسيما أن نظام الحكم الجديد في الولايات المتحدة، والمتمثل في الحزب الجمهوي يشارك إيران عدداً من الخصائص المهمة.
فكلاهما يتمتعان بمهارة كبيرة في عقد اتفاقات سرية ولديهما تاريخ قوي في هذا الشأن. والأمر الثاني اعتماد كليهما على مبدأ القوة في التعامل مع الآخرين، وثالثاً عدم عبئهما بمصطلحات حقوق الإنسان والسجناء السياسيين والحريات والديمقراطية.
وتجدر الإشارة إلى أنه في 14 يوليو 2015، توصلت إيران إلى اتفاق نووي شامل مع القوى الدولية (مجموعة 5+1)، يقضي بتقليص قدرات برنامجها النووي، بعد حوالي عامين من المفاوضات، مقابل رفْع العقوبات المفروضة عليها بهذا الخصوص.
وخلال حملته الانتخابية للرئاسة، وصف ترامب الاتفاق النووي بأنه «أسوأ صفقة بالتاريخ»، وأسماه بـ(الكارثة)، كما اعتبره «عاراً على الولايات المتحدة الأميركية»، وتعهد بتمزيقه.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com