سِلْفي مع الكعبة

جاء في الحديث (إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء) في إشارة إلى لفتة تربوية نبوية تربِّي المسلم على أهمية تجريد القصْد في العبادة من كل شيء وصرْفِها لله وحده امتثالاً لقوله تعالى «وما أُمِروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين». كما ورد في السُّنَّة تحذير شديد من آفة الرياء المحبِطة للعمل من حيث لايدركه صاحبه، لذلك سماه النبي صلى الله عليه وسلم (الشِّرْك الخفِي). وقد قال عليه الصلاة والسلام (اليسير من الرياء شِرْكٌ).
أقول هذا مستعيذاً بالله من التشكيك في المقاصد والنيات، ولكن من باب النُّصْح لنفسي المقصِّرة أولاً، ثم لعموم مَن أُحِب. وقد دفعني إلى التطرق إلى ذلك ما رأيتُه من ظاهرة ارتفاع الهواتف المحمولة في الحرم المكي خلال الطواف والسعي وأثناء انتظار الصلوات، من أجل التصوير والنَّشْر في وسائل التواصل الاجتماعي.
حتى تحوَّل البعض إلى مراسل إعلامي! يوثِّق لمتابعيه مراحل عُمْرَته ووجوده في الحرم، وكأنه يغطِّي فاعلية جماهيرية، بل تجد البعض يستدبِر الكعبةَ بظهره ليلتقط معها (سِلْفي)، حتى غصَّت وسائل التواصل الاجتماعي خلال هذه الأيام بالصور، الأمر الذى يدعو إلى التساؤل: متى يجد هؤلاء الوقت للعبادة وتلاوة القرآن والذكر والدعاء؟! ونحن نرى هذه الصور ومقاطع الفيديو لايتوقف تَدَفُّقُها طيلة الوقت!
فقليلاً من الحذر يا سادة، فالقبول مرتهِن بالخوف والتَّخَفِّي، فقد سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى «والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجِلة» قالت: أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ فقال (لا يا بنت الصِّدِّيق ولكنه الرجل يصوم ويتصدَّق ويصلي وهو يخاف ألا يُتَقَبَّل منه).
فهل نفسح لهذه التقنية المجال لتحطِّم ما بقيَ من خوافي علاقتنا مع الله، ليصبح حالُنا كما قال القائل:
هجرنا المصاحف.. وابتُلِينا بالهواتف
والله من وراء القصد.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com