شكراً أوربا.. شكراً أيها الأعداء

(شكراً أيها الأعداء).. عنوان كتاب للدكتور الشيخ سلمان العودة، أستعيره للتعليق على المواقف الأوروبية الفاشية تجاه تركيا، فيبدو أن أوروبا قد سئمت من إخفاء وجهها العنصري القبيح، ونزعت عنها قناعها، وسقطت معه أكذوبة الديموقراطية الغربية، حين وطأَت شعارات التحضر والتمدن بالنعال.
المسيرة التركية المباركة التي تنساب في طريق النهوض رغم المعوقات والتحديات الضخمة، ربما كانت على موعد مع اللمسات الأخيرة التي تحدد معالمها المستقبلية، حيث يرتقب الأتراك والعرب بل والعالم كله، استفتاءات 16 أبريل المقبل، حول حزم التعديلات الدستورية، والتي بموجبها يتحول النظام البرلماني في تركيا إلى نظام رئاسي.
نعرف كما تعرف أوروبا أن النظام الرئاسي ستكون له – بإذن الله تعالى – آثاره الإيجابية على وحدة البلاد واستقرار الحياة السياسية فيها بعد إنهاء ازدواجية السلطة، وأنه سيكون ضربة موجهة لوصاية البرلمان، ومنْع تحرك الحكومات المؤسَّسة تحت سيطرة البيروقراطية العسكرية والقضائية.
كما نعرف وتعرف أوروبا، أن التعديلات الدستورية الجديدة تعتبر تحوُّلاً ديموقراطياً مهماً، حيث بموجبها توسع دائرة المساءلة تجاه رئيس الجمهورية بعد موافقة أغلبية البرلمان، حال ارتكابه أية جريمة، متجاوزة الشكل الحالي الذي لايسمح بمحاكمة الرئيس.
كما نعرف وتعرف أوروبا، أنه بموجب التعديلات الدستورية الجديدة، سيتم تعيين القضاة عن طريق البرلمان، وهو ما يعني القضاء على تسييس المجتمع القضائي الذي يخلق حالة من الاستقطاب.
أنْ تناهض أحزاب المعارضة التركية التعديلات الدستورية الجديدة فهو حق مكفول لها، أما أن تتدخل أوروبا بتلك الإجراءات المحمومة الفاشية التي مارستها مؤخراً في الشأن الداخلي التركي، فهو خرْق للأعراف والمواثيق الدولية.
أوروبا التي تترنم بأنظمتها الديموقراطية، تخندقت مع الجبهات التي تؤرقها التعديلات المنتظَرة، وتحارب كل الفاعليات التي يقوم بها النشطاء والمسؤولون الأتراك؛ لحث الجاليات التركية في أوروبا على التصويت لصالح ذلك القرار المصيري.
بل فقدت دول أوروبا توازنها على الصعيد الدبلوماسي الرسمي، فقامت هولندا من جانبها بمنْع هبوط طائرة وزير الخارجية التركي على أراضيها، أي منعت الوزير مولود جاويش أوغلو، وكذلك فعلت مع وزيرة الأسرة والسياسات الاجتماعية فاطمة بتول صيان، لمنع التقاء الجالية التركية في هولندا بها.
ألمانيا بدورها قامت بإلغاء تجمعات للأتراك المؤيدين للتعديلات الدستورية، في الوقت الذي تهاجم فيه برلين أوضاع حرية الصحافة في تركيا، وذلك في تناقض بيِّن لسياسات ألمانيا تجاه الأتراك.
لكن أوروبا التي تمنع فاعليات تأييد التعديلات الدستورية، تُظهِر شكلاً آخر من ألوان التناقض والكيل بمكيالين، حين تتيح إقامة فاعليات لمعارضي التعديلات، وتفسح المجال لأتباع فتح الله جولن وحزب العمال الكردستاني للتعبير عن آرائهم.
لكننا مع ذلك نقول لأوروبا: شكراً.
شكراً، لأن فاشيتكم هذه سوف تزيد الشعب التركي إصراراً على الالتفاف حول قيادته لإكمال المسيرة.
ولاتنسواً أنكم باركتم العام المنصرم انقلاباً فاشلاً، خرجت منه تركيا شامخة، بعدما سطَّر شعبها ملحمة أسطورية، وأحبط المؤامرة، وأظهر أنه شعب واعٍ يستفيد من التجارب، بل وأظهرت المعارضة نضجاً غير مسبوق، عندما آثرت الاصطفاف مع حماة الديموقراطية، فخرجت الدولة حكومة وشعباً من هذه المحنة أكثر صلابة.
شكراً أوروبا، لأن الشعب التركي قد أدرك حجم التآمر عليه ومحاولة إعاقته عن إكمال المسيرة الخضراء، ووعى أن هويته الإسلامية هي سبب نقمتكم عليه، وأن تَعَسُّفَكم طويل الأمد حيال انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ليست له أسباب تبرره سوى أن تركيا دولة مسلمة، وهو ما ظهر في التصريح الفاشي النازي للسياسي الهولندي اليميني (فيلدرز)، الذي يُبدي نقمته على مؤيدي أردوغان قائلاً: «إلى كل الأتراك في هولندا المتفقين مع أردوغان: اذهبوا إلى تركيا ولاتعودوا مطلقاً».
شكراً أوروبا، لأن هذه الخطوات المستبدة العنصرية، سوف تستخرج من الشعب التركي أَنَفَتَه العثمانية وهو يرى أمواج العداء الزاحفة من الشرق والغرب، لتعيد إلى عقليته صورة الصراع الحضاري، فتثَبِّت قدمه عندما يعلم أن قيادته قد وضعته على الطريق الصحيح.
مسلسل قيامة أرطغرل الذي أصبح حديث العالم العربي والإسلامي، والذي يمثل أحد مظاهر القوة الناعمة التركية المؤثرة، لم يُعرَض في تلك الفترة جزافاً، فهو يجسد حالة العداء والتآمر في المنطقة على المحاولات الجادة لوضع أسس الدولة العثمانية الفتية، في إسقاط حقيقي على الواقع التركي الحالي، حيث توضع أسس بناء تركيا الجديدة، التي تأخذ مكانها بين الأمم بالتوازي مع الحفاظ على هويتها وتراثها.
شكراً أوروبا لأن هذه الإجراءات التعسفية وهذا العداء الظاهر لتركيا، سوف يزيد من ارتباط العالم الإسلامي والعربي بالأتراك. ونعلم يقيناً أن التقارب التركي الخليجي الحالي الذي دخل في مرحلة النضج قد أثار حنقكم تجاه هذه الدولة التي ترتاد موقعاً قوياً في المنطقة بل وفي العالم كله.
ردُّ الحكومة التركية على هذه الممارسات بإغلاق السفارة الهولندية، أثلج الصدور، لكن الرد الحقيقي الذي يقصف ظهر العنت الأوروبي، سوف يكون عبر الصناديق التي سيوْدِع فيها الأتراك قناعاتهم الواعية.
فشكراً أوروبا.. شكراً أيها الأعداء.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com