شَرَكُ التطبيعِ.. وشُرَكَاءُ الهزيمة

قرأت فيما مضى للأستاذ الدكتور خالد السعد كتابًا روى فيه مواقف للصهيونية تجاه أمتنا الإسلامية وتجاه قضايانا حول العالم، وروى فيما روى كيف كانت الصهيونية حركة داعمة للقتل والتهجير الذي وقع بحق إخواننا في البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن الماضي، وكيف دعمت الصهيونية الصِّرْب لوجستياً ومخابراتياً واستشارياً بخبراء صهاينة شاركوا في حصار سراييفو الذي ارتقى فيه عشرات الألوف من المسلمين شهداء قبل أن ينصرهم الله بتضحايتهم الجِسام.
وذكر في الكتاب نفسه جرائم شتى للصهاينة، وربط بعضها بالقضية الفلسطينية، حيث كان رابطها في الصورة الكبرى التي لاتخفى على عين مؤمن. قد يتساءل أحدهم ما الرابط بين هذه القضايا كلها؟ الرابط أولاً هو أننا في الأصل أمة واحدة، وثانياً أن اليهود يواجهوننا كأمة واحدة بمختلف الوسائل. ولو كنا متفرقين، فإن عدونا لن ينتظر حتى نجتمع، بل سيستغل هذه الفرصة لإنهاء أية قوة تكبر في بلادنا. وأوضح الدكتور السعد في الكتاب ذاته حقائق أخرى وأسبابًا وأدلة شرعية على تحريم وتجريم تطبيع العلاقات والتعاملات مع الكيان الصهيوني، وأغلب الأسباب المذكورة في كتابه كانت من منطلق تاريخ الكيان نفسه العدواني وجرائمه في حق أمتنا عامة وفي حق فلسطين خاصة.
وفي هذا المقال لن أتناول الجانب الشرعي في تحريم التطبيع بتاتاً، فكتاب د. خالد السعد المعنون (حقائق حول الصلح مع اليهود)، والذي صدر عام 1995، وآراء لعلماء أفاضل كُثْر ملخَّصة في مبحث (زيارة القدس والأقصى تحت الاحتلال.. تطبيع أم دعم وتشجيع)، والذي راجعه ودققه أ. خالد الترعاني، وكذلك فتوى علماء المسلمين في العالم والتي نشرها د. علي القُرَهْ داغي، وغيرها من المؤلفات والتأصيلات، كفيلة بحسم أي جدل لاحتمالية إباحة التطبيع مع الكيان الصهيوني للعموم والحكومات، أكان ذلك باستقبال الصهاينة في بلادنا المسلمة، أو بزيارة عاطفية هادمة للأولويات، للقدس والأقصى بحجج ضعيفة.
وفي هذا المقال سأتطرق للجانب الاستراتيجي للعدو في التطبيع مع دولنا المتفرقة، وآثاره السلبية علينا، وكيف يهدف العدو من خلال هذا الخيار أنْ يجعلنا أقل قوة، وأبعد ما نكون عن مشروع تحرير فلسطين، وأن يكون هو صاحب الأفضلية مستقبلاً.
التطبيع .. خيار الصهيونية الاستراتيجي للنجاة
إن الناظر لواقع الكيان الدخيل في خريطتنا، الذي يستمد قوته وجبروته بحبل من الناس، من مؤسسات وحكومات بعيدة كل البعد جغرافياً عن حدوده، سيلاحظ أن هذا الموقع الجغرافي بأهميته لنا، إلا أنه يلعب دوراً معاكساً للمحتل الغريب عن هذه المنطقة، ومن المهم استغلال هذا العنصر بعون الله في إفشال مشروع الكيان الصهيوني مستقبلاً. فمن جانب الحركة الاقتصادية والتصدير، فإن الموقع الجغرافي نفسه يجعل هذا العدو في عزلة شبه تامة برياً – ما عدا السوق السوداء مع بعض الحكومات والمنظمات – وحركة بحرية محدودة. ويغلب اعتماده على حركة الطيران للنقل والشحن إلى حلفائه من الدول ومنها إلى السوق العالمية.
ولربما يمكننا القول هنا إن هذا الكيان على عكس دول العالم الطبيعية لايقف على أرضية ثابتة في أغلب المجالات التي تحتاج عادة لشراكات مع دول الجوار ودول الحدود. وكذلك نشير إلى أن هذه العزلة تضيف ضعفاً إلى نظام الكيان الصهيوني القائم على الرأسمالية الربوية (اقتصاديات السوق)، والتي تحتاج لأسواق محيطة بها قائمة بذاتها لتستمر وتقتات عليها.
هذه الحالة غير الطبيعية تعطي الكيان الصهيوني الدافع للخوض في كل الوسائل المتاحة له للتطبيع مع الدول والحكومات العربية سراً وعلناً، وسيحاول التأثير على الشعوب عبر بعض المسؤولين العرب أنفسهم، وعبر الضغط الدولي أو التلبيس الإعلامي. وسيسعى هذا الكيان كذلك لتحويل جيرانه المنزعجين منه إلى أكبر المُرَحِّبين به، فيفتحون له الحدود والمطارات، ثم تبادل البعثات الدبلوماسية، ثم فتح الأسواق وإجراء التبادلات التجارية.
فإذا ما استطاع العدو الصهينوني الوصول لهذه المرحلة وتمكن من دخول السوق ببضاعته، وحصل على إمكانية التنقل بين بلداننا العربية، وعبَر حدودنا بحجج مثل السياحة والاستثمار والرياضة، فإنه يمكنه القول حينها إن حدوده قد امتدت إلى حدود أبعد حليف متصل به جغرافياً. وحينها سيكون للكيان القدرة على تنفيذ المزيد من الجرائم النوعية بداخل أمتنا، مثل تخريب الناتج الزراعي أو زرْع وبث المخبرين من أبناء بلادنا أو ممارسة الاغتيالات بحق من يعاديه، فكما قام جهاز الموساد (الإسرائيلي) سابقاً باغتيال الشهيد الزواري في تونس والشهيد المبحوح في الإمارات وآخرين، سيستطيع عبر الأنظمة المُطَبِّعة معه والحدود المفتوحة أمامه الوصول لأهداف أبعد وأصعب. وحينها أيضاً سيكون التطبيع سبباً في إضافة عمر جديد لهذا الكيان الطفيلي، وسبباً في إبعاد الأمة عن موعد تحرير الأقصى وفلسطين أكثر فأكثر.
نصًا «حدودك «إسرائيل»..
من الفرات إلى النيل»!
هذه العبارة ليست نصاً منسياً من التوراة المحرفة، وليست حلماً يناقشه (المفكرون) في الكيان الصهيوني، هذه العبارة تعبر عن الهدف الواضح الذي يطمح إليه الصهاينة، وهو الشعار الذي تتبناه (حكومة) الاحتلال، مدون صراحةً على جدار مبنى الكنيست الصهيوني مجلس الاحتلال التشريعي.
إن من يقرأ هذه الكلمات، لابد وأن يفهم أن أي تطبيع أو تصالح أو عملية سلام يحاول الصهاينة إقرارها مع دولنا العربية وحكوماتها، ما هي إلا شراء للوقت، وتبديد لقدرات دولنا المتفرقة، ليكون الكيان مستعداً للانتقال بعدها لخطوات توسعية جديدة تهددنا جميعاً، لتحقيق حلم الصهاينة بالوطن القومي الكبير. فمن خلال التطبيع يمكن تسهيل ذلك والتحقق من إمكانيته، والتسبب بإضعاف دولنا من الداخل. وإذا ما تغلغل التطبيع ليخترق الشعوب كما يخترق الحكومات، فإننا في ذلك الوقت سنكون عاجزين عن تعبئة الشعوب ضد المحتل، حين تكون الحاجة للدفاع عن دولنا شديدة، فضلاً عن عجزنا عن تعبئة الشعوب لتحرير الأقصى وفلسطين. وكل ذلك متوقَّع من هذا العدو لطبيعته وفكره الصهيوني، فهو ليس حركة (وطنية) محدودة النفوذ أو الطموح، بل هو مشروع استيطاني توسعي تغلب عليه صبغة التطرف سياسياً ومذهبياً داخل الديانة اليهودية والطقوس التلمودية.
خلاصة القول هي، إنه من مصلحة الاحتلال الصهيوني استراتيجياً – من أجل البقاء حيًا مدة أطول والحصول على فرصة للتوسع مستقبلاً – أن يقيم علاقات مؤقتة مع دولنا ولاسيما المحيطة بالكيان، في ظاهرها السلام وباطنها التدبير والاستعداد.
إن الذين يسعون إلى التطبيع من دولنا ومن بني جلدتنا هم شركاء هزيمتنا في المستقبل وهم سبب وقوع بعض دولنا في شَرَك العدو اليوم. وإذا كانت استراتيجية عدونا هي التطبيع والانتشار داخل دولنا، فإنه يجب أن تكون استراتيجيتنا كمسلمين هي منْعُه وعَزْله عن محيطه ثم مستقبلاً عن حلفائه، وعلينا مستعينين بالله تعالى ومتوكلين عليه استخدام كافة الوسائل الممكنة في سبيل هذا الهدف كأفراد ومؤسسات ودول.

V كاتب بحريني
عضو رابطة شباب لأجل القدس
Alizaherq@gmail.com

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com