ضم الجولان فصل جديد في «النكسة» و«حفلة سمر» مستمرة في دمشق

(نكسة) العام 1967 نقطة انعطاف في سوريا، لاتقل أهميتها عن نكبة العام 1948. حفرت عميقاً في بنية النظام والسياسة والثقافة والاقتصاد والمجتمع لاتزال آثارها قائمة إلى الآن، بل إن ارتداداتها ظهرت في السنوات الست الأخيرة. وأثبتت رياح (الربيع السوري) الأخيرة ببرهان الدم نبوءة الكاتب سعد الله وَنُّوس في مسرحيته (حفلة سمر من أجل 5 حزيران)، عندما كان الجرح ساخناً: سبب الهزيمة داخلي وإزالة آثار (النكسة) جواني أيضاً، وإلا فإن تمزيق الجغرافيا لن يقتصر على الحدود، بل إنه سيمتد إلى داخل الأوطان والشوارع والحارات والطوائف والأعراق.
خسائر حرب يونيو/حزيران على الجبهة السورية قبل خمسة عقود، كانت الجولان جغرافياً، لكنها هزت السوريين عمودياً وأفقياً. بعضهم حاول الانتحار أو أنه مات قهراً، لكن الحرب وفرت أيضاً حافزاً للبحث في العمق في الأسباب وكيفية معالجتها. أيضاً، كانت للحظة أو سنوات عاملاً لتناسي الخلافات والبحث عن الجامع.
لم يكن سعد الله ونُّوس وحده الذي قرر ترك غربة باريس والعودة إلى البلاد بعد حرب الأيام الستة لتقديم (حفلة سمر) بعد سنتين على مسارح الوطن، بل إن معارضين كثيرين قرروا العودة. سليم حاطوم الذي هرب إلى الأردن بعد فشل محاولته الانقلابية عام 1966 قرر العودة من المنفى بعد (النكسة)، فكان الاعتقال والموت في انتظاره في دمشق. أما الرئيس شكري القوتلي، الذي عاش في بيروت منذ وصول حزب البعث إلى الحكم في العام 1963، وفرت له الهزيمة غطاء كي يعود إلى دمشق، لكن على أكتاف محبيه في كفن.
القوتلي، الذي كان يعاني الأمراض في العاصمة اللبنانية، لم يحتمل علقم الهزيمة. مات باحتشاء في القلب بعد نحو أسبوعين من (النكسة) وبعد عقدين من قهر النكبة. وقتذاك، توسط قادة عرب لدى حكم البعث في الجناح السوري كي يسمحوا لجثمان القوتلي بالعودة إلى دمشق التي كانت تعاني من انقسامات حادة في النظام السياسي وجهود الناس لتلَمُّس معنى سقوط السلطة في حضن البعث.
(النكسة) أضافت عوامل إضافية للشرخ في النظام السياسي بتبادل الاتهامات. بعضهم رأى أن خسارة الأرض لم تكن مهمة ما دام أن النظام أو (الثورة) لم يهزما! بعضهم الآخر، كان أقرب إلى الواقعية. هنا (يسار طفولي) وهناك (واقعي). كان هناك تياران: الأول بقيادة صلاح جديد. الثاني بقيادة حافظ الأسد. ولاشك أن (النكسة) أعطت الغطاء المنتظر لتيار الأسد كي يقوم بانقلاب نوفمبر 1970 تحت عنوان (الحركة التصحيحية) بهدف (تصحيح الكارثة) التي حصلت قبل 3 سنوات ومحو آثارها.
(إسرائيل).. أماطت قبل أيام اللثام عن كثير من وثائق (النكسة) لمناسبة مرور خمسة عقود عليها. تقليد الكشف عن الوثائق إنْ وُجِدت، غير موجود في سوريا وغيرها من الدول العربية. لكن الانتفاضة السورية، وفرت مناسبة كي يقدم سياسيون وعسكريون سوريون سابقون عايشوا حرب العام 1967 شهاداتهم عن الأيام الستة في تلك الحرب والروابط بين خسارة القنيطرة وتغييرات في دمشق. ولاتزال هذه الشهادات تتطلب كثيراً من المراجعات التاريخية والتقاطع مع شهادات أخرى للقبض على ما حصل قدر الإمكان.
الخلاف حول (النكسة) واضح. لكنه أقل بكثير لدى وضع حرب التحرير في أكتوبر/تشرين 1973 على طاولة البحث. هذه الحرب التي قادها الأسد والرئيس أنور السادات على الجبهة المصرية بدعم عربي كبير، استدعت قدوم وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر للقيام بدبلوماسية مكوكية بين دمشق وتل أبيب. النتيجة كانت اتفاق فك الاشتباك في الجولان ونشر قوات دولية للمراقبة باسم (أندوف) لضبط وجود القوات السورية وتحديدها في المناطق العازلة والآمنة ومحدودة الانتشار.
وإذا كانت (النكسة) شكلت غطاء للانقلاب بهدف (التصحيح) ونسْج تحالفات مع الطبقة الاقتصادية الدمشقية، فقد شجعت صلاح جديد على الطلب من الاتحاد السوفيتي إرسال 800 خبير عسكري لإصلاح ما دمرته (إسرائيل). هؤلاء شكلوا أساس علاقة السوفيت ثم الروس مع الجيش السوري التي برزت في السنوات الأخيرة.
لكن حرب تشرين شكلت مناسبة للأسد كي يفتح على واشنطن من دون أن يغلق على موسكو. وزار الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون دمشق نهاية أكتوبر 1974 كي يبارك اتفاق فك الاشتباك. وكانت معادلة التحالف مع موسكو والتعاون مع واشنطن، (ميزة) أساسية لحكم الأسد الأب. ظهر هذا لدى دخول القوات السورية إلى لبنان ثم لدى مشاركة الجيش السوري في عاصفة الصحراء بداية العام 1991 ومشاركة سوريا في مؤتمر مدريد للسلام الذي أطلق المفاوضات العربية/ (الإسرائيلية).
خلال عقد التسعينيات وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية، مالت دمشق أكثر إلى واشنطن. 10 سنوات من المفاوضات قادها حافظ الأسد لعقد اتفاق سلام سوري/ (إسرائيلي) خلال تعاقب (الحكومات الإسرائيلية) منذ إسحاق شامير إلى إسحاق رابين وصولاً إلى بنيامين نتنياهو بعد إقامة قصيرة لرجل التطبيع شمعون بيريز وانتهاء بإيهود باراك. وجرت المفاوضات أيضاً خلال تعاقب جورج بوش وبيل كلينتون على البيت الأبيض.
وقتذاك، كانت سوريا تفاوض لاستعادة الجولان مقابل ترتيبات أمنية و(علاقات سلم طبيعية)، بيد وتدعم (حماس) و(الجهاد الإسلامي) و(حزب الله) بيد أخرى. تحالف استراتيجي مع إيران من جهة ومثلث عربي ضم السعودية ومصر وسوريا من جهة ثانية. تتعامل مع واشنطن خلال حقبة النظام العالمي الجديد، وتراهن على استعادة موسكو الروسية دور موسكو السوفيتية.
تقدمت مفاوضات السلام في آخر أيام كلينتون. وفي نهاية مارس 2000 لم يبقَ سوى الخلاف على شاطىء بحيرة طبريا، ذلك أنه جرى الاتفاق على باقي بنود اتفاق السلام: الانسحاب من كل الجولان، وترتيبات الأمن، وعلاقات السلام، والبرنامج الزمني والعلاقة مع ملف المفاوضات اللبنانية. لكن القمة الأميركية/ السورية في جنيف، انهارت. (سبق وزار كلينتون دمشق في العام 1994 بعد سنة من اتفاق أوسلو). وفي 25 مايو انسحبت (إسرائيل) من جنوب لبنان. وبعد خمسة أيام من ذكرى (النكسة) وخسارة الجولان التي شارك الأسد فيها وزيراً للدفاع، توفي من دون أن يستعيد الجولان بالمفاوضات.
ومع وصول بشار الأسد إلى الحكم، استمرت محاولات عقد اتفاق سلام. لكن تركيا دخلت على الخط هذه المرة. ورعت محاولات لعقد الاتفاق ودعم محاولات أميركا تحقيق ذلك. وبقيت المحاولات لعقد آخر عبر مفاوضات سرية وعلنية، عسكرية وأمنية ودبلوماسية، وصلت إلى أن المبعوث الأميركي جورج ميتشال ثم مساعده فريد هوف صاغا مسودة كاملة للاتفاق.
وإذا كان اغتيال رابين في نوفمبر 1995 قد أطاح بمحاولة جديدة لتحقيق اتفاق على الجولان ووفاة الأسد في يونيو 2000 دفنت جهوداً أخرى، فإن (الربيع العربي) خلط الأوراق إلى حد كبير. لم يعد الصراع العربي/ (الإسرائيلي) الهم الوحيد الذي يشغل الناس. ولم تعد الجولان ما يؤرق السوريين. ولم تعد الدبابات والطائرات السورية في الجولان مكاناً في الطموح السوري. والمطارات والمدن والقرى مدمرة.
وهناك قضية لجوء أخرى غير الفلسطينية. نصف السوريين (من أصل 23 مليوناً) هُجِّروا من منازلهم. و2.5 مليون قتيل وجريح. أيضاً، باتت الطائرات (الإسرائيلية) مع طائرات عشرات الدول تتزاحم في الأجواء السورية. وحزب الله الذي كان في جنوب لبنان، بات في سوريا ويسعى إلى إيجاد موطىء له في الجولان.
أيضاً، كان السوريون مرة أخرى على موعد مع الخامس من حزيران/يونيو. في 5 يونيو 2013، دخلت قوات النظام وحزب الله إلى مدينة القصير في ريف حمص. أما، أهلها فهم في الطرف الآخر من حدود لبنان، ضمن خمسة ملايين لاجىء سوري في دول الجوار.
ترددت أنباء عن أن (إسرائيل) تسعى إلى تحقيق مكاسب استراتيجية من الفوضى السورية. تنازل سوري عن السيادة على الجولان والتخلي عن المطالبة بها. في حال تحقق هذا، سيضاف إلى (مكاسب) أخرى. ذلك أن (إسرائيل) باتت طرفاً خلفياً في المفاوضات الأميركية /الروسية الحالية في عمان لإقامة منطقة آمنة تشمل القنيطرة في الجولان ودرعا والسويداء. إنها، لو تحققت ستكون بمثابة شريط أمن يعزل (إسرائيل) عن سوريا. القلق السوري من تحول مناطق النفوذ التي انطلقت في مفاوضات آستانة إلى تقسيم الأمر الواقع. القلق من نزع الجولان من سوريا.
وإذا كانت (النكسة) قد أدخلت السوفيت إلى سوريا، فإن (الربيع السوري) أعاد روسيا إلى الشرق الأوسط. قاعدتان عسكريتان في طرطوس واللاذقية ووجود عسكري. وهذا الربيع أدخل الجيش الأميركي إلى شرق سوريا بدعم الأكراد ضد (داعش). وهناك خمس قواعد عسكرية ومطارات. تماماً مثلما أدخلت حرب تشرين واشنطن إلى قصر المهاجرين.
من أراد الحديث عن سوريا، عليه أن يطرق أبواب الكرملين والبيت الأبيض. نتنياهو فعل ذلك عندما أسس خطاً ساخناً بين تل أبيب وقاعدة حميميم في اللاذقية لمنع التصادم بين طائرات الطرفين. ومن أراد بحث مصير الجولان بعد 50 سنة من خسارتها، عليه التحدث إلى بوتين للابتعاد عن المرشد الإيراني خامنئي الذي يستميت كي يقيم في الجولان وحجَزَ مقعداً على طاولة التفاوض على مصير السوريين وسوريا في الإقليم. لكن، لا استقرار في الحل السوري من دون اللاعب الأميركي. وعليه فمصير الجولان وسوريا في انتظار الصفقة الأميركية/ الروسية.. و(حفلة سمر من أجل حزيران) لاتزال تعرض في دمشق.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com