على هامش تواجد وفد التجارة الصهيوني في البحرين

الذين زاروا مملكة البحرين ليسوا يهوداً بل صهاينة ماكرون، وليس لأن البحرين بلد التعايش والتسامح الديني والحضارة تسمح بما حصل فيها مؤخراً. لقد تمتع اليهود ومايزالون بحرية تامة في البحرين ونالوا احترام أهلها ومودتهم. كان عدد اليهود لايزيد عن الألف وخمسمائة يهودي جاء أغلبهم من العراق في بدايات القرن التاسع عشر، وعند احتلال فلسطين في العام 1948 وفتْح باب الاستقدام لليهود (هاجر) أغلب اليهود في الدول العربية ومنهم أيضاً بعضٌ من أبناء الجالية اليهودية في البحرين إلى فلسطين، فيما بقي منهم فقط بضع عشرات مايزالون يقيمون في البحرين حتى الآن.
ذهب اليهود المقيمون في الدول العربية الى فلسطين بدعوة من الحركة الصهيونية وبرغبتهم لـ(يساهموا) في (بناء الدولة) الصهيونية وليحتلوا أرض فلسطين ويغتصبوها ويطردوا الشعب الفلسطيني ويقيموا في بيوته ويستولوا على مزارعه وأملاكه. هؤلاء أيضاً كانوا يهود ولبوا نداء الحركة الصهيونية لـ(الهجرة) إلى فلسطين، وهؤلاء اليهود يتمتعون الآن بـ(جنسية إسرائيلية) وأولادهم من الصف الأول في الجهاز الموسوم (جيش الدفاع الإسرائيلي)، وفي العموم ينتمون للصهيونية ويدافعون عنها.
والوفد الذي قدِم إلى البحرين وأحدث في نفوسنا أسى وغضباً شديدين هم أتباع جماعة (دينية) صهيونية متطرفة اسمها (حركة حباد) تسعى للدعاية إلى قيام (الدولة) اليهودية على أساس الدين والعِرق الواحد، وتحرص على وحدة اليهود الصهاينة في مختلف أنحاء العالم، وتعليمهم بثقافتهم والمحافظة على الموروث اليهودي؛ من أجل استغلال ذلك لاحقاً لتنفيذ أهدافهم التي تدعو لإزالة المقدسات الإسلامية وبناء الهيكل المزعوم، ونفي جميع الفلسطينيين خارج حدود فلسطين. ويحلمون بتشكيل (دولة) يهودية في كامل فلسطين. وهم متوافقون مع سياسة وممارسات (الحكومة الإسرائيلية) المتطرفة التي ترفض حل الدولتين وتراوغ الفلسطينين منذ عشرات السنين، رافضة المفاوضات السلمية وحل الدولتين، ماضية في مصادرة الأراضي الفلسطينية وبناء المستعمرات الصهيونية، وفي تهويد القدس وتغيير معالمها ومواصلة سياسة اقتحام الأقصى ومهاجمة المصلين في باحات الأقصى وقبة الصخرة والاعتداء عليهم، وأخيراً الدعوة لمنع الأذان في المسجد الأقصى، مما جعل سكان القدس الصامدين والمرابطين في المدينة واكنافها يتصدون بكل قوة وعزم لهذه القرارت التعسقية.
هؤلاء الصهاينة يدعمون وبقوة إقامة (دولة يهودية) واحدة لليهود، وهذا الحلم الموهو يراود كل (إسرائيلي) وصهيوني عنصري ولاسيما المتعصبين منهم، ما عدا فئة قليلة مثل السمرة او السامرين اليهود العرب الذين يقيمون في مدينة نابلس وجماعة (ناطوري كارتا) الدينية المناهضة للصهيونية، ومنهم جماعات كانت تعيش في فلسطين من قبل النكبة بعشرات السنين، وتوجد قلة منهم أيضاً تتواجد في بروكلين في نيويورك، وهم يحملون أعلاماً فلسطينية ويتظاهرون ضد الصهيونية في مناسبات عدة دعماً للشعب الفلسطيني.
وقد أولت الحركة الصهيونية وبالتعاون مع الحركات الدينية المتطرفة في الأرض المحتلة بمن فيهم الأرثوذكس والحركات الدينية الصهيونية التي تتواجد في أميركا ومنها حركة (حباد) التي قدِم وفد منها إلى البحرين متستراً تحت زعْم أنهم يهود أميركان مناهضون للصهيونية، بينما هذه الحركة متعصبة للصهيونية ومتطرفة في نهجها ومخطاطاتها، وتسعى إلى حث اليهود المتبقين في العالم إلى التوجه فيما يزعمونه إلى ما يتوهمون أنها أرض الميعاد، أي إلى فلسطين، كما تسعى إلى هدم المسجد الأقصى وبناء ما تتوهم أنه هيكل سليمان على أنقاضه، ومن ثم طرد المقدسيين من بيت المقدس. ومن الممكن القول إن جميع مخططات هذه الحركة ونشاطاتها تصب في مصلحة المشروع الصهيوني الماضي في التوسع والتمدد الاستعماري الاحتلالي.
ومن أجل تحقيق هذا الوهم دُعيت هذه الحركات المتدينة ذات النفوذ والمال والتي تتواجد في أميركا بأن تهتم بالأنشطة التي تروِّج لذلك من أجل اختراق العالم العربي عن طريق العلاقات العامة والصفقات التجارية وإلى التشبيك مع مؤسسات تجارية ومالية عربية وبالذات في الخليج العربي، متسترين أعضاؤها بجنسياتهم الأجنبية التي تسهل لهم الدخول إلى الدول العربية بسهولة. فـ(دولة) الاحتلال هي أصلاً مشروع سياسي يعتمد على الإعلام الكاذب والمفبرك وتضليل الرأي العام.
هذه كانت نواياهم من وراء قدومهم لدول الخليج، واغتنام ذلك لنشر ثقافة التطبيع مع فئات المجتمع في شكل وهيئة عقْد صفقات تجارية مشبوهة، تصب في محصلتها لمصلحة الكيان الصهيوني، الذي يمثلونه، وإعطاء صورة إعلامية خادعة للعالم أنه لا مشكلة بين الصهاينة و(جيرانهم) العرب! وأنه يمكن توطيد العلاقة معهم تدريجياً «فانظروا كيف استقبلونا في مجالسهم وكيف رقصوا معنا!»، وإن الإرهاب إنما هو (الإرهاب الفلسطيني). وهذا ما بدا واضحاً من خلال تقاريرهم في القناة العاشرة من التلفزيون (الإسرائيلي) الرسمي، والذي صوَّر أحدها صحفي مرافق للوفد. ولنلاحظ أنهم كانوا مستعدين ومرتبين لبرامج ترفيهية، ويحملون معهم أدوات موسيقية جاهزة جلبوها معهم ومارسوا الرقص والغناء. وتم إرسال الفيديو والتقرير فوراً للصحف ووسائل الإعلام الصهيونية وللتلفزيون (الإسرائيلي) خلال دقائق. ولأن جميع التقارير الإعلامية التلفزيونية والإذاعية (الإسرائيلية) تتم عبر الرقابة العسكرية، فبالتالي نشر المقطع الوارد كان مقصوداً على المستوى الرسمي (الإسرائيلي)، وإلى العالم أجمع. وتوالت بعدها الفيديوهات الأخري التي صوَّرها أعضاء الوفد الباقين بكاميراتهم الخاصة وهواتفهم.
هنا.. وقعنا نحن في فخ التخطيط الصهيوني الماكر والمتعمَّد والمعد له بمهنية وحرفية، وللأسف انطلت حيلتهم وعملوا سبقاً صحفياً وإعلامياً ترويجياً لهذا التواجد الماكر والخادع.
لم تكن هذه الحادثة وهذا الحشد الإعلامي الصهيوني الماجن الذي غنى لتمجيد (إسرائيل) وبقائها وبناء المعبد الموهوم ورقص (الدبكة) المسروقة من التراث الفلسطيني بكل صفاقة ومجون وفي أهم مَعْلَم من معالم البحرين.. بوابتها التاريخية (باب البحرين) التي تشع منها حضارة البحرين العربية، قم السهرة الحميمية التي دُعُوا إليها في بيت رجل أعمال بحريني وبوجود عدد من التجار ورجال الأعمال، السابقة الأولى، بل شهد تاريخنا عشرات من هذه المحاولات لخرْق عالمنا العربي ببرامج ومؤسسات غربية وبرؤوس أموال كبيرة كانت تتستر بالتجارة وتشجيع الاستثمارات وشراء العقارات وبالذات في مدن فلسطين المحتلة وعلى أجمل سواحل البحر الأبيض المتوسط، والسياحة الترفيهية والدينية للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وبيت لحم والناصرة وباقي مدن فلسطين.
ولعلكم تتذكرون فقد نشرت مجموعة متدينة يهودية عام ٢٠١٤ مقطع فيديو لهذه الجماعات ترقص وتغني الأغاني نفسها ي قاعة المسافرين بمطار الملكة علياء في الأردن، وذلك تقريباً بنفس طريقة نشر فيديوهات البحرين، وفي ذلك الوقت تعامل الناس معهم معهم وكذلك مسؤولو المطار بطريق الإهمال ولم يحظوا بتصفيق ورقص وتراقص معهم. وها هم يعاودون الكَرَّة هذه المرة بطريقة ما في اختراق بلدنا البحرين، وحاولوا تصوير الموضوع ليس إلا احتفالاً بمناسبة عقْد صفقات تجارية، وأرادوا أن يُرُونا (تراثهم) المزعوم ورقصهم وغناءهم الذي يمجد كيانهم. إن هذه الجماعة الدينية من أبناء الصهونية العالمية الماكرة الماضية حتى الآن في التمدد لمصلحة مشروعها الاستعماري في فلسطين وبعدها من النيل إلى الفرات ومن بابل إلى أربيل كما يرددون في أغانيهم.
إن موقف البحرين بشأن القضية الفلسطينية ثابت وراسخ في تضامنه المطلق مع الشعب الفلسطيني، ودعمه الدائم لقضيته العادلة. لاسيما وأن حقه في استعادة أرضة واضح وجلي ومنذ عقود طويلة ولم يتغير، وإن ردة فعل الشعب البحريني الغاضبة بكافة فئاته على ما حصل من تواجد وفد (تجاري) صهيوني على أرض البحرين واستخفافه بمشاعر أهلها، واستنكاره لِما حصل يؤكد على أن قضية فلسطين والقدس قضية حية في قلوب شعبنا البحريني الذي ظل وسيظل يرفض وجودهم ومخططاتهم، وكما ردد الجميع: لا للتطبيع.. لا مكان لكم بيننا» ستبقى فلسطين قضيتنا العربية التي ندافع عنها، وستظل القدس محور عملنا من أجل تحرير الأقصى وتأكيد حق العودة.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com