علي بانات.. أيقونة العطاء الشبابية

رغم حزن يلف هذه القصة، إلا أنها تكاد تنطق بنهاية سعيدة ربما نحسب أن صاحبها وُفِّق إليها بحسن خاتمة، ولانزكي على الله أحداً، وسداد وتوفيق لصاحبها، والله أعلى وأعلم.
نكاد نستبشر به بالحديث الذي رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بعبده خيراً استعمله) قالوا: وكيف يستعمله؟ قال: (يوفقه لعمل صالح قبل موته).
خطَّ البلاء طريقاً للشاب علي بانات (36 عاماً) لم يَدُر بخَلَده، إذ استحال بلاء مرض السرطان إلى هبة من الله تعالى، كما سماه الشاب الأسترالي نفسه في مقطع شهير له. فقبل ثلاثة أعوام اكتشف الشاب المترَف الذي يعيش في مدينة غرينكر جنوب غرب سيدني بأستراليا مع زوجته وعائلته إصابته بمرض السرطان في المرحلة الرابعة منه، وأخبره الأطباء أن عمره لن يمتد لأكثر من سبعة شهور فقط.
عاش بانات حياة شديدة الترف، فقد كان يدير عملين ناجحين في المدينة ويمتلك ثروة كبيرة، واعتاد أن يرتدي ملابس وأحذية فاخرة ويمتلك سيارات فارهة، لكنه فور علمه بإصابته بهذا المرض الخطير تبدلت أحواله تماماً، وتصاغرت كل الدنيا أمام عينيه، حتى لم تعد سيارته الفيراري (600 ألف دولار) تساوي عنده ثمن ابتسامة واحدة لطفل فقير يساهم علي بانات في تخفيف معاناته.
كان يمكن لبانات أن يفكر بطريقة مغايرة، وقد فعلها غيره: أن يهرب إلى الأمام مستمتعاً بما تبقَّى له من حياته في مزيد من الترفيه والمتعة الزائلة، لكنه لم يفعل.
كان يمكن أن تقوده صدمة اكتشاف تناقص أيام حياته بشكل سريع إلى حالة اكتئاب ويأس موحشة، فينزوي بعيداً عن المجتمع والحياة منكفئاً على ذاته المحطَّمة، لكنه لم ييأس.
كان يمكن أن تهزمه نفسه ووساوسه فيُقْدم على الأسوأ، وهو التَّسَخُّط على الله سبحانه وتعالى، الذي ابتلاه بالمرض لحكمة بالغة، مثلما يقع في ذلك كثير من الأشقياء، لكنه بدا جسوراً صابراً.
كان يمكن أن يدرك أنها النهاية؛ فيكتب بجرة قلم صكاً يتصدق فيه بمعظم ثروته أو كلها، لكنه لم يكتف بهذا.
اختار علي بانات الطريق الأصعب والأروع معاً، فتزود في أوله بالرضا بقضاء الله سبحانه وتعالى، الذي يُحِّفز المؤمن لتقبُّل كل ما يأتي به القدر، ويثير في النفوس العجب والإعجاب: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إنْ أصابته سرَّاء شكر؛ فكان خيراً له، وإنْ أصابته ضرَّاء صبر؛ فكان خيراً له)، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم.
وفي حديث لعلي بانات لشبكة (ون باث) وصف إصابته بالسرطان بأنها هدية أو منحة! موضحاً: «إنها منحة لأن الله أعطاني فرصة لأنْ أتغير».
وبالفعل تغير بانات؛ فترف الحياة الماضية لم يُقْعِده عن أن يقطع نصف الكرة الأرضية من أستراليا إلى توجو بغرب أفريقيا ليحيا مع فقراء المسلمين هناك ويمسح دموعهم بيده الواهنة ويتبادل معهم ابتسامات تخفي الألم والمعاناة.
جاب الأرض مستغلاً فترة المرض الأولى التي لم تكن روحه العالية لتقعده فيها وهو المعذور بكل وجه، لاستيلاد مشروعه الرائع MATW (المسلمون حول العالم)، ثم منظمة Go Fund Me الخيرية، وفي طريقه لم يكتفِ بإنفاق ماله بشكل مباشر، بل حرص على أن يُبقِي ثروته مالاً ينتفع به، ولم يقتصر على ماله فحسب بل جعل مما يملك نواة لمشروع كبير، فقد تبنى بناء مساكن لأكثر من 200 أرملة، ومسجد، ومدرسة تضم 600 يتيم ومستشفى صغير، بالإضافة إلى أعمال تجارية لدعم المجتمع المحلي.
وحرص في ذلك على أن يستخلص مشروعه من براثن الرسوم الإدارية وغيرها مما يعيق الأعمال الخيرية ويُضعِفها، وزار العديد من الدول الأفريقية لجذب رعاة لمشروعاته الخيرية التي استفاد منها الآلاف من المسلمين في توغو وبوركينا فاسو وغانا.
واشتد المرض بعلي بانات من بعد، فأقعده تماماً، وحين انتصف شهر رمضان الفضيل هذا وافاه أجله؛ فصلى عليه المئات، وترحَّم عليه عشرات الآلاف حول العالم، ليصبح أيقونة رمضان لهذا العام. ذاك الشاب المصعبي المترف، صاحب الإرادة الفولاذية، والعمل المثمر البناء. غاب بانات وحضرت مشاريعه، غاب وألقى الدرس على الجميع، مرضى وأصحاء، فقراء وأغنياء، عامة وعلماء.. قرحم الله علي بانات وأسكنه فسيح الجنان.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com