عُمان وعاصفة الحزم.. الجذور التاريخية والدلالات الاستراتيجية «2-2»

تحديات لحظة التغيير
جاءت لحظة التغيير التي انبثقت عنها الدولة الحديثة في عمان في العام 1970 عبر مخاضات مؤلمة، فقد اصطدمت الدولة عند أول عهدها بالظهور بجملة من المهددات والتحديات المرتفعة الحدة على الصعيدين الداخلي والخارجي. ولعل أبرز تلك التحديات الحركة اليسارية المسلحة في الداخل، والمشروع الإمامي الذي استطاع أن يحقق اختراقاً سياسياً في المحيط العربي متكئاً على المزاج القومي المناهض للاستعمار الغربي، والذي كان رائجاً آنذاك.
غير أن الدبلوماسية العمانية استطاعت أن تحاصر المشروعين معاً وأن تعطب مفاصل القوة فيهما. في مثل تلك المناخات المفعمة بالتهديد الاسترتتيجي تخَلَّق العقل الرسمي وطوَّر أدواته الدبلوماسية واكتسب ملامحه السياسية. وأحسب أن هذا المزيج من المهددات والتحديات وطرائق التعاطي معها قد أورث الدبلوماسية العمانية هذه الجفلة السياسية وهذا الحذر المفرط الذي يصبغ اليوم معظم مقارباتها الإقليمية، وكرس لديها خاصية الانكفاء على الذات، والعمل في الخفاء. وما لم تخرج الدبلوماسية العمانية من حالة الاستتار تلك فإنها ستبقى غرضاً لهذا الوابل من الريبة والتجريح.

معادلات الصراع الإقليمي

لايخفى أن الدولة العمانية ترتبط بآصرة استثنائية مع القوى الدولية النافذة في الشأن الخليجي، وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، وقد اضطلعت هذه الأخيرة بأدوار مركزية في تشكيل خارطة الصراعات والتحالفات، وكانت جزءاً من حركة التدافع في مراحل تاريخية بعينها. ومع تراجع القوة البريطانية على إثْر انكسارها في الحرب العالمية الثانية، ظهرت القوة الأميركية التي تبسط اليوم هيمنة استراتيجية على ضفاف الخليج. فالسياسة الخارجية العمانية، كما هو شأن نظائرها في الإقليم، تناور في فضاء إقليمي مكتظ بمشاريع صراعية يتصدرها المشروعان الأميركي والإيراني، وتخضع بالضرورة لمقتضيات تلك المعادلات الصراعية. فليس بمقدور الباحث أن يفترض أن الإرادة السياسية العمانية تعمل بمعزل عن تلك التداعيات، وأن الخيار الاستراتيجي العماني لايخضع لإملاءات الصراع الإقليمي، وأن الأمن القومي العماني هو المحدِّد الصلب لخيارات الدولة الجيوستراتيجية. كلا، فمعادلات الصراع الإقليمي تلعب أدواراً جوهرية في ضبْط الإيقاع السياسي للدولة الخليجية، بل وفي تحديد مساراتها وأدوارها الاستراتيجية 1.

البعد الخليجي في الرؤية العمانية

بحكم الجغرافيا، عمان دولة خليجية. كما أن نظامها السياسي القائم على الشرعية الوراثية يتماهى تماماً مع هياكل السلطة القائمة في دول الخليج العربية الأخرى. ولكنها، بحكم التاريخ والهوية السياسية، تحتفظ لنفسها بمساحة خاصة من التَّفَرُّد، وبيان ذلك أن خيارها الاستراتيجي – كما توحي سياستها الخارجية – محكوم بذلك الإحساس بالتَّفَرُّد. إشتركت السلطنة في تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، وانخرطت في أنشطته الاقتصادية والاجتماعية، ولكنها مثَّلت حالة خاصة في تعاطيها مع معظم القضايا السياسية، وتلك المتصلة بالأمن الإقليمي.
1. لم تتماهَ في مسلكها إزاء الحرب العراقية/ الإيرانية (1981-1988) مع الموقف الخليجي الداعم للعراق، واحتفظت بعلاقات متوازنة مع طرفي الصراع.
2. اشتركت في الحملة العسكرية لتحرير الكويت من العدوان العراقي (1990)، ولكنها لم تقطع خطوط الاتصال مع صدام حسين، وقام وزير خارجيته آنذاك، طارق عزيز، بزيارة خاطفة إلى مسقط في نوفمبر من ذلك العام.
3. الحالة اليتيمة التي انعقد عليها الإجماع الخليجي كانت دعم حرب الانفصال في اليمن التي شنها الاشتراكيون الجنوبيون على مشروع الوحدة (1994)، ولما اندحرت حركة التمرد تلك، استضافت السلطنة قائد الانفصال، علي سالم البِيض وبطانته، رغم سابقته المشينة هو وحزبه في إسناد ما كان يعرف بـ(الثورة) في إقليم ظفار الجنوبي.
4. في العام 2007 أعلنت السلطنة انسحابها من مشروع الوحدة النقدية الخليجية الذي كان مقرراً له أن يبدأ في يناير 2010، بذريعة أن المشروع يقيِّد القرار الاقتصادي المحلي. ثم أعلنت رفضها لمشروع الاتحاد الخليجي، كما جاء على لسان الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية في مؤتمر الأمن الإقليمي الذي إنعقد في مملكة البحرين في ديسمبر 2013. وأطلق الوزير العماني تهديداً بالانسحاب من المجلس إذا أُعلِن الاتحاد عشية قمة الكويت (10 ديسمبر 2013). وكانت الحجة العمانية هي حماية الإقليم من العسكرة والاستقطابات الأمنية! وحسبك بالموقف العماني ذاك دليلاً على غياب الإطار الفلسفي المؤسِّس للمجلس، وعلى الافتراق المفاهيمي الحاد بين الفرقاء حول هوية المجلس ومقاصده الاستراتيجية، رغم أن وثيقة التأسيس تنص على (الوحدة) كمقصد نهائي لمشروع التعاون.
5. شكلت العلاقة مع إيران عنصراً مفصلياً من عناصر الارتباك في العلاقات العمانية/ الخليجية، سيَّما مع المملكة العربية السعودية. فمنذ الزيارة التي قام السلطان قابوس إلى طهران في أغسطس من العام 2009، والعلاقات العمانية/ الإيرانية تزداد تماسكاً وتداخلاً، وتشهد صعوداً بوتيرة متسارعة، وتجنح إلى أن تكون متعددة الأبعاد. ففي أغسطس 2010 وقَّع البَلَدان اتفاقية تعاون عسكري. وفي أغسطس 2013، قام السلطان بزيارة أخرى إلى طهران. كما قامت السلطنة في الأثناء بعدد من مبادرات الوساطة بين الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة، وإيران من جهة أخرى، لإطلاق سراح المحتجزين من الطرفين، وقد كُلِّلت معظم تلك المساعي بالنجاح. وقد أبدت السلطنة دعمها لحق إيران في الاستخدامات السلمية لبرنامجها النووي.3 ثم استضافت عمان جولات المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني بين إيران ومجموعة (5+1)، التي انعقدت في مسقط في نوفمبر 2014، وكان أبرز أقطابها وزيرا خارجية إيران محمد جواد ظريف، والولايات المتحدة جون كيري. وقد أفضت جولة المفاوضات تلك إلى اتفاق الإطار الذي وقَّعه الطرفان في لوزان السويسرية في أبريل 2015، تمهيداً للاتفاق النهائي المرتقب.
6. ثم جاءت (عاصفة الحزم) التي دشنتها المملكة العربية السعودية وحلفاؤها في السادس والعشرين من مارس 2015، لتحْدِث فرزاً حاداً في خارطة الاصطفاف الاستراتيجي والسياسي في إقليم الخليج، ولتشكل مَعلَماً تاريخياً ليس في مسار العلاقة العمانية/ الخليجية فحسب، بل وفي منظومة التحالفات والهياكل الاستراتيجية الحاكمة للأمن القومي الخليجي.

اللحظة التاريخية الفاصلة

سيبقى السادس والعشرون من مارس 2015 لحظة فاصلة في مسيرة الصراع الإقليمي، وسيذكر التاريخ تلك اللحظة بحسبانها يوماً له ما بعده. لم يكن يسيراً على المملكة العربية السعودية وحلفائها الإقدام على هكذا خطوة استراتيجية يدركون عواقبها جيداً. إذ إن المشروع الحوثي في اليمن قد تحوَّل من مجرد كيان عقائدي يصارع من أجل انتزاع بعض المكاسب السياسية، إلى امتداد عضوي لمشروع إقليمي تقوده إيران. فمنذ سقوط العاصمة صنعاء بيد الآلة العسكرية الحوثية وحلفائها في الحادي والعشرين من سبتمبر 2014، والمشروع الحوثي ينجز اختراقات عميقة في البِنَى السياسية للدولة اليمنية، ويتمدد على الأرض بآلة عسكرية أخفقت القوى القبلية والحزبية في التصدي لها، حتى كاد أن يبتلع الدولة بشقيها الشمالي والجنوبي.

الأمن القومي الخليجي

أحدث ذلك كله إنقلاباً في مرئيات الأمن القومي الخليجي، إذ لم يعد المشروع الحوثي بعد هذه الاجتياحات مجرد كيان عقائدي يصارع من أجل الفوز بمكاسب سياسية تضمن له البقاء في المشهد السياسي اليمني، بل غدا تجسيداً حياً لانتصار المشروع الإيراني، وبهذا صار الأمن القومي السعودي في مواجهة تهديد مباشر (مرتفع الحِدة). فلجأت السعودية إلى السحب من مخزون النفوذ الذي شيَّدته عبر سنين، وطفقت تقرع أبواب الحلفاء الخليجيين وبعض العرب (مصر، الأردن، السودان، المغرب)، إضافة الى باكستان، لبناء تحالف عسكري سياسي يقود حملة إجهاض للمشروع الحوثي في اليمن، ويلجُم تطلعات المشروع الإقليمي الإيراني. ولكن سلطنة عمان لم تكن ضمن (مخزون النفوذ) الذي شيَّدته الدبلوماسية السعودية بأدوات الاقتصاد والسياسية، فجاء الخروج العماني عن الإجماع الخليجي هذه المرة ليعبر عن عمق الشرخ الاستراتيجي الذي تعاني منه منظومة التعاون، وليعكس بجلاء حجم الافتراق المفاهيمي بين الفرقاء الخليجيين حول مفهوم (الأمن القومي الخليجي)، وليضع المسكوت عنه في مواجهة مباشرة مع الحقائق على الأرض.

سؤال الهوية

كما أشرنا آنفاً في فقرة (قواعد الصراع: سؤال الهوية وإكراهات السياسة) من هذه الورقة، فإن العقل الرسمي العماني، في مقارباته الاستراتيجية، محكوم بالعناصر الخمسة التي تناولناها، والتي تمتزج على نحو معقد لتنتج النسخة النهائية للخيار الاستراتيجي. لم يكن الموقف العماني إزاء (عاصفة الحزم) انقلاباً على الذات، بل جاء اتساقاً مع محددات التفكير التي ضبطت إيقاعات العقل السياسي الرسمي. يتموضع اليمن، أو ينبغي أن يتموضع، في قلب الرؤية الإقليمية العمانية. فهناك التَّماس الجغرافي، والتداخل الثقافي، والامتدادات القبلية مع الجزء الجنوبي من عمان. ولهذه الاعتبارات وغيرها، لاتملك الدولة العمانية رفاهية الإعراض عن الشأن اليمني، أو حتى التعاطي معه عن بُعد. و بعبارة موجزة، فإن تداعيات الحالة اليمنية بخيرها وشرها، هي في مرمى الأمن القومي العماني. لذان فإن الدبلوماسية العمانية لم تلزم نهج (الحياد السلبي) هذه المرة، بل طفقت تشرب من الكأس اليمني حتى الثمالة.
تكثف الحضور العماني في المشهد اليمني غداة سقوط صنعاء، وانخرطت الدبلوماسية العمانية منذئذ في سلسلة من المبادرات السياسية، استهلتها بمسعى للوساطة بين الرئيس هادي والحوثيين«1». غير أن انهيار مؤسسات الدولة، وتجريد هادي من عناصر القوة التفاوضية من جهة، وحالة الخِفَّة والخُيَلاء التي استبدت بالمشروع الحوثي إثْر انتصاراته العسكرية المتلاحقة من جهة أخرى، أحبطا ذلك المسعى العماني المبكر.

الحوار الأمريكي الحوثي في مسقط

لكن النقلة الكبرى في سلسلة المبادرات تلك كان الحوار الأميركي/ الحوثي الذي استضافته مسقط في مايو 2015، والذي بدأ سرياً! ثم كشفته صحيفة Wall Street Journal، في عددها الصادر بتاريخ 1 يونيو 2015. وفي اليوم التالي 2 يونيو 2015، وأثناء الإيجاز الصحفي اليومي، أكدت ماري هارف المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، تلك اللقاءات2 .
وقد جاء في مقال Wall Street Journal، الذي كتبه كل من جاي سولومون، وآسا فيتش، أنَّ آن باترسون مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، هي مَن قاد الوفد الأميركي في المفاوضات التي جرت برعاية من المكتب السلطاني العماني. كما ذكرت الصحيفة نقلاً عن مصادر رسمية أميركية، أن الخارجية الأميركية قد أعلمت السعودية بلقاء مسقط قبل الشروع فيه 3.
كان ذلك هو اللقاء المباشر الأول بين الطرفين، ولكن سبقة عدد من الاتصالات غير المباشرة تمت عبر الوسطاء العمانيين. ودرج الطرفان في السابق على الحديث عبر الوسطاء العمانيين4 .
ولاعتبارات متصلة بأدوارها السياسية أقدمت السلطنة على استقبال الجرحى الحوثيين، الذين حُفُّوا بكرم باذخ! وتلقوا العلاج في أرقى المشافي العمانية، الأمر الذي يثير تساؤلاً حول البعد الأخلاقي في السياسة الخارجية العمانية. أما حكومة الرئيس هادي في المنفى، فقد أعلنت أنها ليست طرفاً في ذلك الحوار، وأن مواقفها محكومة بقرار مجلس الأمن رقم 2216، الذي صدر بموجب البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والذي نص على ضرورة تسليم السلاح والانسحاب التام من المدن التي اجتاحتها الآلة العسكرية الحوثية.
لعبة الصراع في اليمن
يبدو جلياً أن الأدوار المركزية في لعبة الصراع اليمني يضطلع بها كل من: الولايات المتحدة الأميركية، إيران، والمملكة العربية السعودية، وأن الدور العماني يقع في غالبه في المربع اللوجستي التسهيلي Facilitator، رغم أن الحالة اليمنية بتداعياتها الحرجة، تتموضع في مدارات الأمن القومي العماني، وتشكل مصدراً محتملاً لمهدِّدات استراتيجية عالية الكلفة.
لم تعلن السلطنة رسمياً عن مبادرة مستقلة تستبطن المصالح العمانية العليا، وتفتح أفقاً لتوافقات موضوعية عادلة، بعيداً عن حسابات مشروعي الهيمنة الأميركي والإيراني. ولم تُبدِ موقفاً رادعاً إزاء العدوان الحوثي على مؤسسات الدولة اليمنية، ولم تستثمر دالَّتها على إيران، التي كانت حاضرة في جولات التفاوض تلك 5، للدفع باتجاه عقْلَنَة المشروع الحوثي، وتخليصه من جاهليته السياسية.

ميزان قوى جديد

المأساة اليمنية تتجه إلى مزيد من التأزم، ذلك ما ترهص إليه الوقائع العسكرية والسياسية. واليقين أن المرجِّح الجوهري لِما ستستقر عليه الصورة النهائية هو (ميزان القوى) الذي سيفرزه الصراع. غير أن مرجِّحات ميزان القوى ذاك ليست كلها بيد القوى اليمنية، بل إن أعظمها تأثيراً تستحوذ عليه أقطاب الصراع الثلاثة: واشنطن، طهران، والرياض. أما واشنطن فلاتسعى إلى تفكيك القوة الحوثية، فضلاً عن إبادتها، بل إلى إعطاب بعض مفاصلها، ثم إعادة إنتاجها لتكون فاعلاً سياسياً بقوة عسكرية قادرة على الإزعاج! ولكن عاجزة عن إسقاط الدولة مرة أخرى. وأما طهران، فإن المشروع الحوثي هو ذراعها الضاربة في الخاصرة السعودية، ولكنه في لحظة التدافع هذه لايتمركز في قلب مشروعها الإقليمي، خاصة وأن الموارد الإيرانية مستنزَفة على الجبهتين العراقية والسورية. وقد تبدي إيران تراجعاً في الملف اليمني، يفضي إلى تقليص القوة الحوثية جزئياً، مع الإبقاء عليها كفاعل سياسي، وقوة استراتيجية كامنة potential power.

حل بالإكراه

ومؤدَّى ذلك أن توافقاً أميركياً/ إيرانياً قد يُنجَز برعاية عمانية، ثم تُسحب إليه السعودية وحلفاؤها، طوعاً أو كرهاً. ذلك أن العلاقات الأميركية/ الإيرانية تعبُر مرحلة حرجة، وتتشابك حساباتها في عدد من مَواطن الصراع، وتتوزع أحمالها على غير جبهة، واليمن إحدى تلك الجبهات، ولكنه ليس أهمها. فلن يجد قطبا الصراع هذان حرجاً من إنجاز توافق تكتيكي على أقل تقدير، ثم إملاؤه على سائر الفرقاء. ويشهد لهذا الاستنتاج مخرَجات قمة كامب ديفيد التي عقدها الرئيس الأميركي باراك أوباما مع قادة الدول الخليجية الست في 14 مايو 2015، والتي عززت المخاوف الخليجية من تنَصُّل الشريك الأميركي من التزاماته الدفاعية 6. وحسبك من تلك المخرجات ما جاء على لسان الرئيس نفسه، إذ قال ما ترجمته: «أود أن أكون واضحاً جداً. إن الغرض من أي تعاون أمني ليس إدامة مواجهة طويلة المدى مع إيران، ولا حتى تهميش إيران» 7.

تحديات المعسكر الخليجي

وأما المعسكر الخليجي الذي تقوده السعودية فإنه يواجه مهدِّدات غير مسبوقة في تاريخ الصراع الإقليمي، ورغم ذلك فهو يستخدم أدوات تقليدية في مواجهة تحولات غير تقليدية. ومن تلك الأدوات التقليدية الإفراط في الاعتماد على الحليف الأميركي، وتوظيف التناقضات الأميركية/ الإيرانية، التي تتقلص بفعل تشابك المصالح الأميركية/ الإيرانية في غير موطن من مَواطن الصراع. والتعاطي الخليجي مع الحالة اليمنية يستبد به غير قليل من الارتباك وغياب الرؤية. وتلك معضلة مزمنة بدأت منذ مطلع تسعينيات القرن المنصرم، حينما انحازت المنظومة الخليجية إلى خيار الانفصال في اليمن في العام 1994. ثم سعت إلى إجهاض مفاعيل الثورة الشعبية في العام 2011، ورمت بثقلها السياسي لإنقاذ النظام، فكانت القوة الحوثية إحدى مخرَجات المناورات السياسية التي قادتها دول الخليج. وكلمة السر في كل تلك المقاربات الخليجية هي (حزب التجمع اليمني للإصلاح).

الخوف من تجمع الاصلاح

الرؤية الخليجية للمشهد العربي في الجملة محكومة بخوف مفرِط من المشروع الإسلامي الذي ينتمي إليه التجمع اليمني للإصلاح، وقد ازدادت حالة الخوف تلك تجذُّراً مع انبعاث الثورات العربية في مطلع العام 2011. فطفِقت بعض الدول الخليجية تخوض حروباً ضارية ضد القوى الثورية بغية إعطاب مشاريع التحول الديمقراطي في المنطقة العربية، حتى غدا السلوك السياسي للدولة الخليجية (عدا قطر، وبدرجة أقل عُمان)، محكوماً بالحوَل السياسي والتفكير الرغائبي، مجانِباً للنهج البراجماتي، والصرامة الاستراتيجية، وحسابات المصالح.
والمفارقة أن (عاصفة الحزم) ستقف على بوابة التجمع اليمني للإصلاح، فهو القوة الوحيدة القادرة على الحشد العسكري والتعبئة السياسية المنظَّمة. لن تؤتي العاصفة أُكُلَها ما لم تتكىء على قوة عسكرية على الأرض، وشريك سياسي قادر على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، ولايحوز تلك الخصائص إلا (التجمع اليمني للإصلاح).
ونقطة التحول في مسار الحدث اليمني تبدأ بحدوث تحوُّل جوهري في أنماط التفكير الاستراتيجي الخليجي، يتمثل في مغادرة مرحلة «يحسبون كل صيحة عليهم»، والانتقال إلى مرحلة «قل تعالَوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم». ليست الرغائب والأمنيات هي ما يحكم التدافع على الأرض، ولكنها الوقائع وعناصر القوة التي يمتلكها فرقاء الصراع. يمكن للمشروع السياسي الإسلامي المعتدل أن يكون حليفاً تكتيكياً في التصدي للمشروع الإيراني ذي الصبغة المذهبية، غير أن ذلك يقتضي تحوُّلاً في الرؤية الخليجية.

خلاصة

السياسة الخارجية العربية على وجه الإجمال، والخليجية على وجه التخصيص، ليست محكومة بفكرة مركزية متماسكة تنبثق عنها الأفكار الفرعية، وتذعن لمقتضياتها الممارسات العملية. فانفعالات صانع القرار وردود الأفعال المبعثرة هي القوالب التي غالباً ما تُصاغ فيها سياسات الدولة العربية وتُرسَم على هدْيها توجهاتها الكلية. والسياسة الخارجية العمانية ليست بدعاً من ذلك. ومع ذلك فإن لهذه السياسة العمانية ما يميزها عما سواها في المحيطين العربي والخليجي. وقد حرصت هي على تكريس صورتها الذهنية الشاردة عن المجموع، محتفظة لنفسها بمكان بعيد عن زحمة التهارش العربي. ولعب التاريخ والجغرافيا أدواراً محورية في تشكيل الوعي السياسي العماني: الوعي بالذات، والوعي بالآخر. وهما يلعبان اليوم أدواراً مركزية أيضاً في صياغة الخيار الاستراتيجي. عوامل عدة تفاعلت لتشكل الصورة الذاتية، ولتحدد بالتبعية ملامح الآخر في المحيط الإقليمي، وطرائق التعاطي معه.
واللافت في المقاربة العمانية للأزمة اليمنية هو أنها لاترى في المشروع الحوثي مصدر تهديد للأمن القومي العماني! وكان حرياً بها أن تلتفت إلى حجم المخاطر الهاجعة في جوف ذلك المشروع الذي يتحرك على الأرض بنَفَس عقائدي طائفي لاتخطئه العين. هل العلاقة مع إيران تشكل مصدر تسكين للمخاوف العمانية المفترضة؟ بقطع النظر عن انخراط السلطنة في العملية العسكرية ضد الحوثيين، فإن مقارباتها الاستراتيجية والدبلوماسية ينبغي أن تستبطن مهدِّدات الأمن القومي العماني، ولست أشك أن المشروع الحوثي هو أحد تلك المهدِّدات إذا استقر له الأمر في اليمن.
ربما يستثمر التحالف الحياد العماني، ولكنه سيبقى استثماراً محدود العوائد، ذلك أن الوساطة العمانية تعمل في بيئة جيو سياسية يهمين عليها التجاذب الأميركي/ الإيراني. وما الساحة اليمنية في المنظور الاستراتيجي لهذين المشروعين إلا واحدة من محدِّدات الصراع. وكان قميناً بالدبلوماسية العمانية أن تقدم مشروعاً مستقلاً، لا أن تبقى صدى لإفرازات التدافع الأميركي، الإيراني، السعودي. ولكن يبدو أن الدبلوماسية العمانية قد استعذبت الدور التسهيلي الذي حبست نفسها فيه، وما لم تخرج من محبسها ذاك، فإن الوساطة العمانية في الأزمة اليمنية لن تتجاوز الحدود اللوجستية، أي خدمات التوصيل.
المصادر:
1. إنظر: Jeffery A. Lefebvr, “Oman’s Foreign Policy in the Twenty-First Century”, Middle East Policy, Vol. XVII, No. 1, Spring 2010, pp. 100-4.
2. Marie Harf، الإيجاز الصحفي اليومي: htpp://www.state.gov/r/pa/prs/dpb/2015/06/243104.html
3. إنظر: Jay Solomon and Asa Fitch, “U.S. Met Secretly With Yemen Rebels”, Wall Street Journal, June 1, 2015.
4. المصدر نفسه. الترجمة للكاتب، والنص الإنجليزي هو: “The two sides had been speaking previously through Omani intermediaries”
5. إنظر عبد الحكيم هلال، «الأزمة اليمنية بين المتغيرات السعودية و الوسيط العماني»، الجزيرة نت، 2 فبراير، 2015.
6. إنظر: «ماذا تحقق في قمة كامب ديفيد الأميريكية – الخليجية ؟»، المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات، تقدير موقف، مايو 2015.
7. خطاب الرئيس الأميريكي في أعقاب القمة الاميريكية – الخليجية، 14 مايو، 2015. http://www.whitehouse.gov/the-press-office/2015/05/14/remarks-president-obama-press-co.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com