عُمان وعاصفة الحزم.. الجذور التاريخية والدلالات الاستراتيجية «1-2»

تمهيد: تبدو هذه الدولة الخليجية الهاجعة في أقصى جنوب شرق الجزيرة العربية خارجة دوماً على الإجماع الخليجي، وكأنها تريد أن تشق لنفسها مساراً مختلفاً في سياستها الخارجية إجمالاً، وفي تعاطيها مع الشأن الإقليمي على وجه الخصوص. فمنذ أن قامت الدولة الحديثة في عمان في يوليو 1970، وهي تسلك في نهجها السياسي ومواقفها الإقليمية والدولية مسلكاً يبدو مغايراً، وأحياناً مناقضاً، لمَواطن الإجماع على الصعيدين العربي والإقليمي.

عمان ومجلس التعاون

وبحسبانها عضواً مؤسساً في مجلس التعاون الخليجي، فمن المفترض أن تتبنى السلطنة مواقف توافقية سيَّما في المقررات الكلية، ولكنها كثيراً ما تخرج عن تلك المقررات، مكرِّسة صورتها الذهنية الجانحة إلى النشوز السياسي ومجانبة الإجماع الخليجي خاصة والعربي عامة. ولعل أبرز تمظهرات ذلك النشوز – إذا جاز التعبير – هو الموقف من الاتحاد الخليجي، إذ أعلنت الدولة العمانية على لسان الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية عشية انعقاد القمة الخليجية في ديسمبر من العام 2013، أن السلطنة لن تكون جزءاً من الإتحاد الخليجي إذا أصرت دول المجلس على إعلان الكيان الخليجي الموحد. والحق، أن ذلك الموقف لم يكن ناشزاً، بل جاء متصالحاً مع النهج السياسي العام، ومعبِّراً عن أنماط التفكير المستقرة في مراكز صوغ السياسات العمانية.
وتأسيساً على ما تقدم، فلم يكن مأمولاً من السلطنة هذه المرة أن تنقلب على نفسها وتنخرط في عملية عسكرية بحجم (عاصفة الحزم) التي دشنها تحالف عربي تتبوأ موقع القيادة فيه المملكة العربية السعودية، بقصد إجهاض المشروع الحوثي في اليمن، واحتواء تمدداته المحتملة التي تشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي الخليجي عامة، والسعودي على وجه الخصوص. فهذه المجانبة التي أبدتها السلطنة لعاصفة الحزم ليست معزولة عن النهج التقليدي الذي سارت عليه منذ ظهورها كدولة حديثة، بل تأتي أتساقاً مع الصورة الذهنية التي تشكلت عن السياسية الخارجية العمانية، واستقرت في العقل الخليجي الجمعي منذ نحو ثلاثة عقود.

السلطنة وعاصفة الحزم

فلايمكن، والحالة هذه، أن تُفهم مقاربة السلطنة لعاصفة الحزم بمعزل عن السياق السيكولوجي والمفاهيمي الذي في إطاره تصاغ الموجهات الاستراتيجية وخيارات السياسة الخارجية. وهذا السياق بدوره محكوم بجملة من المحددات التاريخية والسياسية والنفسية المشَكِّلة للعقل السياسي الرسمي، كما أنه خاضع – من جهة أخرى – لموازين القوى ومعطيات الصراع الإقليمي في لحظاته المختلفة. وأية مقاربة تحليلية لاتستبطن منظومة العوامل والمعطيات تلك ستكون رجماً بالغيب، وضرباً من التعاطي اللاموضوعي مع قضية متعددة الأبعاد: التاريخية والسياسية والسيكولوجية.

تحليل السياسة الخارجية

لم يعد تحليل السياسة الخارجية Foreign Policy Analysis (FPA)، حقلاً صغيراً متفرعاً عن العلاقات الدولية International Relations (IR)، بل غدا علماً قائماً، له مناهجه العلمية وأصوله المعرفية ونظرياته الضابطة لمقارباته التحليلية. وكي يستطيع المشتغل بتحليل السياسة الخارجية لأية دولة عليه أن ينجز متناً معرفياً رصيناً، ولابد أن تتوفر بين يديه جملة من المعطيات المعلوماتية التي تمثل المادة الأولية لمدخلات العملية التحليلية، وهذا ما لايتوفر للباحث المشتغل بالسياسة الخارجية الخليجية، ومنها السياسة الخارجية العمانية. فدراسة عملية صناعة السياسات: Decision Making Process، هي نقطة الارتكاز لتحليل المخرَجات Outputs، أي القرارات، وتلك هي المدخل لتقويم النتائج المترتبة على تلك القرارات Outcomes، ومن ثم الوصول إلى خلاصات استنتاجية منضبطة. ولكن غياب المدخلات المتكاملة Inputs، يرهق الباحث من أمره عسراً، ويضعه أمام تحديات الموضوعية والانضباط العلمي.

معالم السياسة العمانية

لذا، فإني أود أن أقرر ابتداءً أن الإبحار في السياسة الخارجية العمانية هو كالسير في مفازةٍ قفْر، لا معالم فيها ولا شواخص تهديك السبيل. ذلك أن صناعة السياسات يستبد بها قدْر غير قليل من الغموض والتداخل. فليس بمقدور أحد أن يدلك على التسلسل الإجرائي المعتمد في صناعة السياسات وصوغ التوجهات الاستراتيجية. وليس لك أن تعرف على وجه اليقين الأوزان النسبية للمؤسسات والشخصيات المشتركة في عملية الصناعة تلك. صحيح أن المؤسسة السلطانية، بموجب سلطاتها الدستورية، هي الصانع النهائي للقرار. ولكن صناعة السياسات هي عملية في غاية التعقيد والتداخل، وغالباً ما تكون مجالاً لتصادم الرؤى وصراع النفوذ. وبالتالي، فإن النسخة النهائية التي تصل إلى المؤسسة السلطانية تكون قد حملت في طياتها مجمل تلك الملامح، واستبطنت مجمل تلك التباينات، لتأتي عاكسة لموازين القوى، ومعبرة عن أنماط التفكير السائدة في مؤسسات الحكم.
كما أن غياب الشفافية وشح المعلومات الصادرة عن الأجهزة الرسمية تمثل مصدراً آخر للمشقة البحثية. فالخارجية العمانية لاتبدي حرصاً على تزويد الرأي العام بشروحات كافية لخياراتها السياسية، ولاتعبأ كثيراً بالصورة الذهنية التي قد تتشكل حول الدبلوماسية العمانية الغامضة. وعليه لايوجد مصدر رسمي يمكن اللجوء إليه، ولا متحدث رسمياً يمكن الركون إلى بياناته والاستناد إلى أقواله، وتلك من الثغرات الكبرى التي يلج عبرها أكثر المطاعن الموجهة إلى الدبلوماسية العمانية.

منتج نخبوي بحت

ولعل سياسة الإعراض هذه تُعزى في جزء منها إلى أن السياسة الخارجية في المنظومتين العربية والخليجية هي «منتَج نخبوي محض»، لا موضع فيه لمُدخلات الرأي العام، ولايخضع أصلاً لجدل وطني يعكس مرئيات المفكرين وأجهزة التفكير والمؤسسات البحثية المستقلة عن السلطة الرسمية، والتي هي شحيحة الوجود، أو منعدمة كما هي الحال في سلطنة عمان.
قواعد الصراع: سؤال الهوية وإكراهات السياسة
ترتسم هوية الدولة (Identity) عبر الصورة الجيوبولوتيكية الذاتية (Self Geopolitical Image)، أي الصورة التي تكونها الدولة لذاتها بما هي كيان سياسي. وتتشكل تلك الصورة عبر عملية تراكمية معقدة. فهناك جملة من العوامل التاريخية والجغرافية والثقافية التي تسهم بدرجات متفاوتة في صوغ الصورة الجيوبولوتيكية للدولة. فإلى أن تستقر تلك الصورة المشكِّلة للهوية تكون الدولة قد مرت بسلسلة من الأحداث والتحديات والتجارب التي تشترك بهذه الدرجة أو تلك في إنتاج هويتها السياسية.
تتمتع الصورة الجيوبولوتيكية المنتجة للهوية بنفوذ استثنائي في صياغة السياسية الخارجية وتحديد الخيارات الجيوستراتيجية للدولة. ليس هذا فحسب، بل إن صورة الآخر (The other)، وبالتالي خيارات التعاطي معه، تتحدد تبعاً لإملاءات الصورة الذاتية.
أعلم أن ما تقدم فيه شيء من الجفاف العلمي، ولكنها مقدمة لابد منها للولوج إلى العوامل الجوهرية التي اشتركت بدرجات متباينة في نحت الهوية السياسية للدولة العمانية الحديثة، وأسهمت في تشكيل الوعي بالذات وبالآخر، وأنتجت بعد هذا كله الموجِّهات الكلية لتلك المقاربات التي توختها السياسة الخارجية العمانية في أطوارها المختلفة.

حمولة التاريخ

عمان بمكوناتها الجغرافية والديموغرافية والثقافية هي دولة ضاربة الجذور في التاريخ. فهي في الوجدان العماني الجمعي ليست كياناً طارفاً خرج إلى الوجود نتيجة خرائط سياسية رُسِّمت في غفلة من الزمن، ولا هي دولة وظيفية اصطُنِعت اصطناعاً لتؤدي أدواراً مرحلية في حلبة الصراع الإقليمي. ولهذا التجذر التاريخي انعكاساته في تشكيل الصورة الذاتية، كما في النظر إلى الآخر، وخاصة ذلك الآخر في المحيط الإقليمي. وتعتد الهوية العمانية بهذه العراقة التاريخية اعتداداً لاتخطئه العين، وتعدها من المآثر التي ينبغي أن يعترف بها الآخر، في إيحاء إلى عدم حيازة ذلك الآخر لتلك الفرادة التاريخية.
ولم يكن الحضور العماني في التاريخ حضوراً خاملاً، بل اضطلعت الدولة العمانية في مراحلها المتعاقبة بأدوار مركزية في صوغ الخارطة السياسية للمحيط الإقليمي، وقد تمددت تلك الأدوار حتى لامست سواحل الشرق الأفريقي، وأقامت لها كيانات سياسية هناك، وأخرى ثقافية في جنوب غرب آسيا: باكستان وإيران. وتبدو تأثيرات الحركة التاريخية تلك حاضرة اليوم في التركيبة الديموغرافية العمانية الزاخرة بتنوع لا نظير له في البيئة الخليجية.

الإرث الإمبراطوري

كما أشرنا آنفاً، لايقف الأمر عند حدود العراقة التاريخية المجردة، بل يتعداه إلى فعل استرتيجي كثيف أفضى إلى تمدد امبراطوري خارج الإقليم، ونفوذ سياسي لا نظير له على المستوى الإقليمي. خاضت الدولة العمانية بطبعاتها النبهانية (1154-1624)، واليعربية (1624-1741) والبوسعيدية (1743-…..)، سلسلة من حروب التحرير والمقاومة والتمدد الإمبراطوري، مع عدد من القوى الإقليمية كالدولة الفارسية، والأوروبية كالقوة الاستعمارية البرتغالية التي نازلها اليعاربة حتى أخرجوها من إقليم الخليج والجزيرة. في هذا المناخ المفعم بالزهو الامبراطوري تخلَّقت الهوية السياسية العمانية، وبسبب من ذلك فهي تأبى اليوم الذوبان في كيانات إقليمية لاترى أن لها من العراقة التاريخية والسطوة الإمبراطورية ما تحوزه هي.
حسابات الديموغرافيا
المجتمع العماني بتركيبته الديموغرافية الراهنة هو مجتمع تعددي على المستويات العرقية والثقافية والمذهبية. ولعل عمان تنفرد بهذه الخاصية في محيطها الإقليمي، إذ لاتضاهيها دولة خليجية أخرى في هذا المزيج الديموغرافي المتعدد الأبعاد والنكهات والمشارب1. ورغم ضيق هوامش المشاركة السياسية، وانعدام تأثير الرأي العام في عملية صناعة الخيار الاستراتيجي، فإن صانع القرار العماني لاتغيب عنه انعكاسات هذا التنوع الديموغرافي على الاستقرار السياسي والسلام الاجتماعي، الأمر الذي يُخضِع السياستين الداخلية والخارجية لحسابات الديموغرافيا. فالكتل الإثنية والثقافية في الداخل العماني لها امتدادات خارج الحدود الجغرافية، وهذا يفرض على صُنَّاع السياسة الخارجية استبطان المصالح والاإرتدادات المرتبطة بتلك الامتدادات العرقية والثقافية.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com