غطاء وجه المرأة عند الفقهاء الأربعة

منذ عشرين سنة وأنا أسمع من كثير من العلماء الأجلاء (خارج السعودية) أن جمهور الفقهاء على القول بكشْف وجه المرأة، كما كنت أسمع من الكثير أيضاً (داخل السعودية) منذ ذلك الوقت حكاية الإجماع أو الاتفاق على منع كشْف وجه المرأة.
ومن لحظتها وأنا أبحث بدقة، وأناقش الكثير من المشايخ من أتباع المذاهب المختلفة, وفي يقيني أنني قرأت ما كُتِب عن هذا الموضوع في أهم وأعمق الدراسات بتأمل وتمحيص.
وأظنُّ أن الكثير اقتنع أن المسألة فيها خلاف معتبَر، وها أنذا أؤكد أن لكبار الأئمة في المذاهب الأربعة أقوالاً بالإذن بكشْف وجه المرأة، مهما كان عدد ناقليها، مع اتفاق ظاهر لكبار الأئمة في كل المذاهب على أفضلية السِّتْر للوجه، والأوجب – عند الكثير – حال الفتنة المتحققة، وهذه الأقوال يمكن رصدها بوضوح لا لبْس فيه.
1- قال الجصَّاص، من الحنفية: «جاز للأجنبي أن ينظر من المرأة إلى وجهها وكفها بغير شهوة»(1). وقال السُّرْخُسِي: «فقد جاءت الأخبار في الرخصة بالنظر إلى وجهها وكفيها»(2). والجصاص والسرخسي سبق وأنْ ذكرا منْع كشف وجه المرأة! وبمثل هذا النص القاضي بالجواز، قال الحصكفي(3)، والنسفي(4).
2- قال ابن عبدالبَر، من المالكية: «المرأة كلها عورة إلا الوجهَ والكفين، وعلى هذا أكثر أهل العلم»(5).
وبمثل هذا النص القاضي بالجواز، قال ابن رُشْد(6)، وابن أبي زيد(7)، والنفراوي(8)، والزرقاني(9). ونصَّ: «ولو شابَّة»، بقوله: «وأما الوجه والكفان ظاهرهما وباطنها فله رؤيتهما مكشوفتين ولو شابَّة بلا عذر من شهادة أو طب، إلا لخوف فتنة أو قصد لذة فيحرُم».
3- قال محمد بن سليمان الكردي، من الشافعية: «واختلفوا في جواز نظر الوجه والكفين حيث لا شهوة ولا خوف فتنة. ونسب الإمام القول بعد الحرمة للجمهور، ونسبه الرافعي للأكثرين، قال لاسيما المتقدمين»(10).
4- قال القاضي أبويَعلى، من الحنابلة: «يحرُم عليه النظر إلى ما عدا الوجه والكفين، لأنه عورة، ويباح له النظر إليهما مع الكراهة إذا أمِن الفتنة ونظر لغير شهوة»(11). وبمثل هذا النص القاضي بالجواز، قال ابن عقيل(12)، والمرداوي(13)، ونصَّ «خصوصاً للجيران والأقارب غير المحارم الذين نشأ بينهم»، بقوله: «وجوَّز جماعة من الأصحاب نظر الرجل من الحرة الأجنبية إلى ما ليس بعورةِ صلاة، وجزم به في المستوعب في آدابه. وذكره الشيخ تقي الدين رواية، وقال ابن عقيل: لايحرُم النظر إلى وجه الأجنبية إذا أمِن الفتنة». قال المرداوي: «وهذا الذي لايسعُ الناس غيرُه، خصوصاً للجيران والأقارب غير المحارم الذين نشأ بينهم، وهو مذهب الشافعي».
ولكن يبقى القول بأن (كشْف وجه المرأة) هو القول المعتمَد عند جمهور الفقهاء، قول غير صحيح، وكل استدلالاتهم من كتب الفقهاء، يمكن قول مثلِها، بل أشدَّ منها عند نفس الطبقة من الفقهاء الذين ذكروهم، وفيها منْع كشف وجه المرأة، تعبُّداً ووجوباً، بكل وضوح لا لبس فيه، ولهذا أفردتُ هذه المقالة، للتعليق على ذلك، وبيان منهجية العرض البعيد عن الانتقائية، والنتائج المعتمِدة على التقليد والتكرار.
ومن أقوال الفقهاء الواضحة في كل المذاهب القاضية بمنع كشف وجه المرأة، ما يلي:
1) قال الجصَّاص، من الحنفية: «المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها من الأجنبي، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج، لئلا يطمع أهل الرَّيب فيها»(14). وبمثل هذا النص القاضي بالمنع، قال السرخسي(15)، وعلاء الدين الحنفي(16)، وابن عابدين(17)، والطحاوي(18).
2) قال أبوبكر بن العربي، من المالكية: «المرأة كلها عورة، بدنها وصورتها، فلايجوز كشف ذلك إلا لضرورة أو لحاجة، كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عما يعنُّ ويعرض عندها»(19). وبمثل هذا النص القاضي بالمنْع قال القرطبي(20)، والونشريسي(21)، وأبوعلي المشدالي(22).
3) قال الجويني، من الشافعية: «اتفق المسلمون على منْع النساء من الخروج سافرات الوجوه، لأن النظر مظنَّة الفتنة، وهو محرِّك للشهوة، فاللائق بمحاسن الشرع سد الباب فيه»(23). وبمثل هذا النص القاضي بالمنع قال ابن حجر العسقلاني(24)، وابن رسلان(25)، والموزعي(26)، والشرقاوي(27).
4) قال شيخ الإسلام ابن تيمية، من الحنابلة: «وكشْفُ النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز، وعلى ولي الأمرِ الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر وغيره، ومن لم يرتدع فإنه يعاقَب على ذلك بما يزجره»(28). وبمثل هذا النص القاضي بالمنع، قال الإمام أحمد(29)، وابن القيم(30).
وهكذا نرى بجلاء اتفاق الكثير من أصحاب المذاهب الأربعة المتبوعة على منْع كشف وجه المرأة أمام الأجانب(31).
ومما سبق يتضح ما يلي:
1/ إن القول بأن (كشْف وجه المرأة) هو رأي جمهور الفقهاء بإطلاقٍ قول غير صحيح، كما بينَّا من نقولات صريحة.
2/ إن قول (منع كشف وجه المرأة) عند جمهور الفقهاء – لو ذُكِر – هو من باب الاستحباب فقط، قول غير صحيح كذلك. بل هو عند جماعة كاثرة من فقهاء المذاهب الأربعة، أمر تعبُّدي، وقول صريح بالوجوب.
3/ ليس من الصحيح منهجياً عرْض الأقوال الفقهية بجمع بعض الأقوال ووضع عناوين كبرى لها لتقليل قيمة رأي الطرف الآخر!
4/ ستبقى قضية (كشف وجه المرأة) مسألة خلافية، ولكن من تمسَّك بمنع (كشف وجه المرأة)، له أدلة صحيحة صريحة، وأقوال معتبرة جليَّةٌ في كل المذاهب الأربعة.
وبناءً على رغبة الكثير من الإخوة والأخوات سأُفرِد بحوْل الله الفصل المتعلق بهذا الموضوع من كتابي (فقه العلاقة بين الرجل والمرأة) في كتاب مستقل؛ ليكون الناس على بيِّنة من دينهم، دون حرج، أو اتكاءٍ على شبهات أو متشابهات.
5/ وأما ما زاد على ذلك من تفسير «ظاهرة الزينة» بالذراع، وتزيين الثياب الظاهرة وزركشتها فلا مستند له صحيح من قول صحابي أو تابعي. وذلك فضلاً عن زينة الوجه من تحميره أو تحسينه، فهذا على التحقيق ما لم يقل به قصداً أحد من الأئمة، وما فهم من نقل عن (القفَّال الشاشي) من جواز تحمير المرأة وجهها وتسويد شعرها، وكذا عن (ابن القطان) و(البهوتي) و(أبي حيان الأندلسي)، فهو في أصل الجواز لا لإظهاره أمام الأجانب، أو للمخطوبة كما صرَّح بعضهم(32)، وحتى لو نُقِل عن آحاد المتأخرين ذلك فهو مخالف صراحة لأقوال الصحابة والتابعين في تفسير الآية.
6/ ليست هذه المقالة لغاية الدَّفْع نحو الانتصار لرأي، إنما هي نموذج لأهمية البحث المنهجي عند عرض الآراء، وعدم الاكتفاء بترديد عبارات كلية تفتقد معايير البحث الشمولي.
7/ أهمية الإسهام في تشكيل العقل المسلم والتصور الإسلامي نحو قضايا تهم المجتمع المسلم في هويته بطريقة منهجية صحيحة، بعيدة عن التعصب، وفرْض الرأي، وادعاء مفاهيم غير دقيقة، فضلاً عن استعمال ألفاظ غير لائقة ولاتنمُّ عن خُلُق أهل العلم والفقه في بيان الخلافيات والمتشابهات.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) أحكام القرآن (3/316).
(2) المبسوط (10/152).
(3) الدر المختار (1/424).
(4) تفسير النسفي (2/159).
(5) التمهيد (6/364).
(6) المقدمات الممهدات (1/133).
(7) الرسالة (2/377).
(8) الفواكه الدواني (1/127).
(9) شرح الزرقاني على مختصر خليل (1/176).
(10) الحواشي المدينة (1/185).
(11) المغْني (9/499).
(12) الإنصاف (8/28).
(13) الإنصاف (8/28).
(14) أحكام القرآن (3/458).
(15) المبسوط (10/152).
(16) حاشية ابن عابدين (2/261).
(17) المرجع السابق.
(18) رد المحتار (1/272).
(19) أحكام القرآن (3/1578).
(20) الجامع لأحكام القرآن (14/277).
(2) المعيار المعرب، الونشريسي (11/193).
(22) المعيار المعرب، الونشريسي (11/131).
(23) روضة الطالبين (7/24).
(24) فتح الباري (9/337).
(25) عون المعبود (11/162).
(26) تيسير البيان لأحكام القرآن (2/1001).
(27) حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب (1/174).
(28)…..
(29) الفروع (1/601).
(30)….
(3) للاستزادة من هذه الأقوال، انظر: الحجاب، للشيخ محمد صالح العثيمين، والأدلة المطمئنة على أن الحجاب طُهْرٌ وعز للمؤمنة، للدكتور أحمد الحمدان، ولباس المرأة وزينتها، للدكتور صلاح الدين الإدلبي.
(32) انظر هذه الأقوال في: تفسير البغوي (3/338)، وتفسير الرازي (23/205)، والبحر المحيط لأبي حيان (6/447).

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com