فاز الوطن والشرفاء وخسر الخاسرون

وأخيراً انفض موسم الانتخابات وارتاح الناس من الرسائل والمكالمات والحملات والإعلانات والمقرات والمحاضرات والنداءات والمساجلات والإشاعات والاصطفافات والمزايدات وغيرها، والقائمة تطول. بعضها ضروري أو مبرر لنجاح أي مرشح، وبعضها مؤسف ومسف ويكشف عن ترسبات مريضة في بعض النفوس لِما حدث من اشتداد ضغط التنافس وأخرج حمماً من الكذب والاختلاق والشتائم والسباب وهو ما جرف معه كل فضيلة، وكشف عن أن الهوة عميقة وعميقة جداً بين بعض الناس وإنْ ربَطتهم الجيرة وحتى النسب، وللأسف فرَّقتهم الانتخابات.
رأيت نماذج محزنة من التناحر وسمعت وقرأت الكثير من الإشاعات البغيضة التي يمس بعضها أشخاص من ارتأوا في أنفسهم الأهلية للترشح للانتخابات. سمعت مهاترات بين الناس حتى في الجوامع والمساجد، وللأسف تبين أن من كنا نراهم أصدقاء قبل الانتخابات قد انقسموا فجأة بسبب هذا المرشح أو ذاك.
رأيت صنفاً من المرشحين – وبعضهم تأهل للأسف – أمثلة من السوقية في الرد على منافسيهم، حتى وصل الحال ببعضهم إلى حد التراشق بالبذاءات إنْ لم يكن بالأيدي. وهو ما جعلني أتساءل كيف نأتمن أمثال هؤلاء على التشريع وعلى مراقبة الحكومة وهم عاجزون ن مراقبة ألسنتهم وتصرفاتهم.
رأيت ورأيت ويا لله كم كنت أعد الأيام والليالي أن تنقضي على خير ولانخسر أكثر من لُحمتنا في هذا الوطن الصغير الذي لايتحمل كل هذا.
وفي المقابل رأيت نماذج مشرِّفة أضعها تاجاً على رأسي لم يكْفها أنها اعترفت بالهزيمة ولكنها تجشمت عناء أن تذهب لمنافسها في عقر مقره الانتخابي وتبارك له وتدعو له بالتوفيق، بل وتعلنها من مقره أنها ستكون عوناً وسنداً له في المنطقة والوطن، ولن تقول له “اذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا هاهنا قاعدون”. هؤلاء المرشحون الذين لم يحالفهم الحظ ضربوا للناس أروع الأمثلة في التنافس الشريف، ولم يشهد عليهم أحد بكلمة غير مسؤولة بالرغم مما نالهم من التشويه الظالم.
والآن عزيزي القارىء الكريم.. أظنك صرت تعرف من هو الفائز الحقيقي في الانتخابات ومَن خسر فيها وإنْ وصل لقبة البرلمان. فاز الوطن بهذه المشاركة التي ضيَّعت فرصة أخرى على المتربصين به والذين كانوا يتوعَّدون بتصفير الصناديق أو بالمشاركة الهزيلة كي يُسَوِّقوا لها في دكاكينهم العالمية التي تدَّعي الديمقراطية وحقوق الإنسان. وفاز كل من شارك من أجل الوطن وشارك حباً فيه مرشحاً أو ناخباً. أما الخاسرون فهم الذين قاطعوا كي يطعنوا الوطن، أو شاركوا بقصد غير شريف، والغاية عندهم كانت تبرر الوسيلة. ولكن مادام الوطن رابحاً فيحق لنا أنْ نسمِّيَه عرساً لأن الوطن أعز منا جميعاً.
خدمة إيقاظ:
كثير من الناس يلومون بعض المترشحين الذين لم يحالفهم الحظ ويقسون في لومهم، ووصلت بالبعض السخرية منهم. والمرشحون الذين حملوا هَمَّ الوطن ورشحوا أنفسهم من أجله هم في نظري صفوة الناس، وكانت عندهم من الشجاعة أنْ يَنبَروا للتَّرَشُّح ويتحملوا من الناس ما تحملوا، ويكفيهم شرف المحاولة. ليس فوزهم بالوصول لقبة البرلمان إنما بالوصول لقلوب الناس وقد وصلوا. فلأولئك الشامتين المتقاعسين الذين لايُحسِنون إلا الكلام واللوم والعتَب، أقول ما قال الحطيئة:
أقِـــلوا عليـــــهم لا أبــــا لأبــيــــكمُ
من اللوم أو سُدُّوا المكان الذي سَدُّوا

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com